تشهد الساحة الدولية تطوراً جديداً يعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة. فبالرغم أن إسرائيل دعمت أوكرانيا منذ اندلاع الحرب مع روسيا، وقدّمت لها دعماً سياسياً ومساعدات إنسانية وطبية، فإن العلاقة بين الطرفين بدأت تشهد توتراً متزايداً خلال السنوات الأخيرة بسبب تباين المواقف تجاه الحرب وحدود الدعم الإسرائيلي لكييف لأنها رفضت تزويدها بأسلحة متطورة أو أنظمة دفاع جوي. ومع تصاعد الاتهامات الأوكرانية لإسرائيل بالسماح بدخول شحنات حبوب تقول كييف إنها “مسروقة” من الأراضي الأوكرانية المحتلة، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من الخلاف الدبلوماسي، وسط تهديدات أوكرانية بفرض عقوبات وتحذيرات أوروبية من الالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا.
إن هذا التطور الجديد يضع كلاً من إسرائيل وإيران، في ظل الصراع العسكري الحالي بينهما، في "كفة واحدة" او خندق واحد، إلى جانب روسيا. هذا التقاطع في المصالح، وإن كان غير مباشر، يعكس تحولاً جذرياً في إدارة الصراعات الإقليمية، حيث تصبح العلاقة مع موسكو هي القاسم المشترك الذي يجمع بين الخصوم في إطار التوازنات الدولية الراهنة.
فهرس المحتوى [إظهار]
اتهامات مباشرة لإسرائيل
فجّر زيلينسكي الأزمة بعدما اتهم السلطات الإسرائيلية بغضّ الطرف عن سفن تحمل حبوباً تقول كييف إن روسيا استولت عليها من المناطق الأوكرانية المحتلة. وتركّز الجدل حول سفينة "بانورميتيس" التي دخلت خليج حيفا الأسبوع الماضي، والتي تؤكد أوكرانيا أنها تحمل شحنة من القمح “المسروق”، وقد تكون ثاني سفينة من هذا النوع تصل إلى ميناء حيفا خلال شهر واحد.
وفي منشور عبر منصة “إكس”، شدد زيلينسكي على أن شراء البضائع المسروقة يُعد مخالفة قانونية وأخلاقية، معتبراً أن السلطات الإسرائيلية لا يمكن أن تكون غير مدركة لطبيعة الشحنات التي تدخل موانئها. كما لوّح بإمكانية فرض عقوبات على الجهات أو الأفراد المتورطين في استقبال هذه الشحنات أو تسهيل دخولها.
رد إسرائيلي واتهام بـ"دبلوماسية تويتر"
في المقابل، رفضت إسرائيل الاتهامات الأوكرانية، حيث اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر كييف بممارسة ما وصفه بـ”دبلوماسية تويتر"، معتبراً أن أوكرانيا لم تقدم أدلة ملموسة تثبت أن الحبوب التي تحملها السفن تم نهبها من الأراضي الأوكرانية.
وأكد ساعر أن السفينة المثيرة للجدل لم ترسُ بعد في ميناء حيفا، مشيراً إلى أن السلطات الإسرائيلية تحقق في القضية قبل اتخاذ أي قرار بشأنها.
الحبوب الأوكرانية في قلب الحرب الاقتصادية
ومنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، تتهم كييف موسكو بتنفيذ عمليات نهب ممنهجة للموارد الزراعية، خاصة الحبوب، من المناطق الواقعة تحت السيطرة الروسية، ثم إعادة تصديرها إلى الأسواق العالمية عبر شبكات تهريب وتغيير منشأ البضائع.
وبحسب تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "هآرتس"، فإن إسرائيل استقبلت ما لا يقل عن أربع شحنات من الحبوب المهربة خلال العام الحالي، فيما تجاوز عدد الشحنات منذ عام 2023 أكثر من ثلاثين شحنة، وفقاً للتقرير.
تحرك دبلوماسي أوكراني وضغط أوروبي
وفي موازاة التصعيد الأوكراني، دخل الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة، مطالباً إسرائيل بتقديم معلومات إضافية حول الشحنات المشبوهة المرتبطة بالحبوب الأوكرانية. وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي لـCNN: “ندين جميع الأعمال التي تُسهم في تمويل المجهود الحربي الروسي غير الشرعي والتحايل على عقوبات الاتحاد الأوروبي، ونبقى على أهبة الاستعداد لاستهداف هذه الأعمال من خلال إدراج الأفراد والكيانات في دول ثالثة على قوائم العقوبات إذا لزم الأمر”.
ويعكس هذا الموقف الأوروبي مخاوف متزايدة من استخدام تجارة الحبوب كوسيلة للالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه العمليات قد يفتح الباب أمام إجراءات عقابية أوسع ضد جهات أو دول يثبت تورطها في تسهيل هذه التجارة.
خلاف يتجاوز قضية الحبوب
ولا تبدو الأزمة الحالية منفصلة عن التوتر المتراكم بين الجانبين منذ بداية الحرب الروسية ـ الأوكرانية. فرغم أن إسرائيل أبدت دعماً سياسياً وإنسانياً لكييف، فإنها تجنبت تقديم أسلحة متطورة أو أنظمة دفاعية متقدمة، مفضلة الحفاظ على توازن دقيق في علاقتها مع كل من روسيا وأوكرانيا، خصوصاً في ظل المصالح الأمنية الإسرائيلية المرتبطة بالساحة السورية.
وفي المقابل، حاولت أوكرانيا خلال السنوات الأخيرة تعزيز حضورها كشريك أمني في الشرق الأوسط، لا سيما في مجالات مكافحة الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الدفاعية، وهو ما أضاف بُعداً جديداً للعلاقة مع إسرائيل في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
أزمة مرشحة للتصاعد
ويبدو أن ملف "الحبوب المسروقة" قد يتحول إلى أزمة دبلوماسية أوسع بين كييف وتل أبيب، خاصة مع تصاعد الضغوط الأوروبية واحتمال فرض عقوبات على أطراف مرتبطة بهذه التجارة. كما تكشف هذه القضية عن التعقيدات المتزايدة التي فرضتها الحرب الروسية ـ الأوكرانية على شبكة العلاقات الدولية، حيث باتت المصالح الاقتصادية والتوازنات السياسية تتداخل بشكل مباشر مع ملفات الحرب والعقوبات الدولية.