القائمة
10:23 28 نيسان 2026

مانشيت| لبنان في دخل مرحلة الصدام الصريح: الحزب يجر الدولة الى الانفجار... وعون يتهمه بالخيانة

لبنان

لم يعد ما يجري في لبنان مجرّد أزمة سياسية أو سجال حول خيارات مرحلية، بل تحوّل إلى صدام صريح بين مشروع دولة تحاول استعادة قرارها، ومشروع موازٍ يقوده حزب مسلّح يفرض منطقه بالقوة، حتى لو قاد البلاد إلى مواجهة مفتوحة لا قدرة لها على تحمّلها.

في هذا التوقيت تحديدًا، يتكثّف الاشتباك الداخلي مع تصاعد الضغط العسكري الإسرائيلي، ما يجعل لبنان ساحة تتقاطع فيها خطوط نار متعددة: نار الخارج، ونار الداخل، والأخطر نار التناقض بين منطق الدولة ومنطق السلاح.

الدولة تصحّح المسار… والحزب يعطّله

التوجّه الرسمي الذي يقوده الرئيس اللبناني جوزيف عون لا يمكن فصله عن محاولة متأخرة لكن جدية لإعادة تثبيت مفهوم الدولة. خطاب الرئاسة لم يعد دفاعيًا أو توفيقيًا، بل اتخذ منحى حاسمًا يقوم على تحميل المسؤوليات بوضوح: من قرر الحرب خارج المؤسسات هو الخائن ولا يمكنه اليوم أن يحاسب الدولة على خياراتها.

في المقابل، يواصل حزب الله التعامل مع الدولة كأنها تفصيل ثانوي، رافضًا الاعتراف بشرعيتها في ملف مصيري كالتفاوض أو إدارة المواجهة. خطاب أمينه العام نعيم قاسم لم يترك مجالًا لأي لبس: لا تفاوض، لا تراجع، ولا اعتبار لأي مسار تقوده المؤسسات الرسمية.

بهذا المعنى، لا يكتفي الحزب بتعطيل الدولة، بل يضعها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانصياع لمنطقه، أو تحمّل كلفة المواجهة وحدها.

نتنياهو يستثمر الانقسام

في المقلب الآخر، يقرأ رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا التصدّع الداخلي كفرصة استراتيجية. التصعيد العسكري الأخير، خصوصًا توسيع الضربات نحو البقاع، لا يمكن فصله عن محاولة استغلال حالة الانقسام اللبناني لفرض وقائع ميدانية جديدة.

إسرائيل لم تعد تتقيّد عمليًا بقواعد الاشتباك السابقة، بل تتحرك وفق منطق “الضرب الاستباقي” في أي نقطة تعتبرها مهدِّدة، ما يجعل كل الجغرافيا اللبنانية مفتوحة على الاستهداف، من الجنوب إلى العمق.

الأخطر أن هذا السلوك يمهّد لمرحلة تفاوضية غير متكافئة، حيث يدخل لبنان الطاولة من موقع الضعف، فيما تكون إسرائيل قد فرضت شروطها بالنار مسبقًا.

اشتباك اقليمي

في موازاة ذلك، تتحرّك السعودية بثقل واضح، لكن ضمن حدود مدروسة. هدفها الأساسي ليس فرض تسوية بقدر ما هو منع الانهيار الكامل.

التحرّك السعودي الأخير، عبر الموفد الخاص الأمير يزيد بن فرحان، ركّز على تثبيت التوازن الداخلي ومنع الانزلاق إلى صدام سنّي–شيعي، في لحظة كانت المؤشرات الميدانية والشعبية تنذر بانفجار قريب.

الرياض تدعم الدولة اللبنانية بوضوح، لكنها في الوقت نفسه تتجنّب الانخراط في تفاصيل الخيارات السيادية وان كانت تدعمها بشكل كامل، مكتفية بضبط الإيقاع العام ومنع سقوط الهيكل فوق رؤوس الجميع.

في المقابل، لا تبدو إيران بعيدة عن المشهد. التوتر في الخطاب الصادر عن مسؤوليها تجاه الدولة اللبنانية يعكس انزعاجًا واضحًا من أي مسار لبناني يبتعد عن منطق المحور.

هذا التوتر لا يُترجم مباشرة عبر القنوات الدبلوماسية، بل يظهر من خلال تشدّد حزب الله، الذي يرفض أي مسار تفاوضي لا يمرّ عبر شروطه، ويصرّ على ربط الوضع اللبناني بسياقات إقليمية أوسع، من غزة إلى المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة.

التحركات الدبلوماسية في المنطقة، من قطر إلى مصر، تعكس محاولة احتواء التصعيد المرتبط بالمواجهة بين واشنطن وطهران. الاتصالات التي يقودها رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تؤكد أن الأولوية الإقليمية هي تثبيت التهدئة، لكن من دون ضمانات حقيقية حتى الآن.

لبنان هنا ليس أولوية بحد ذاته، بل ساحة من ساحات الاشتباك المفتوح، ما يعني أن أي انفجار داخلي فيه قد يتحول بسرعة إلى جزء من صراع أوسع.

بين السلاح والدولة… من يربح؟

الخلاصة أن لبنان يقف أمام مفترق حاسم. هناك دولة تحاول، ولو متأخرة، استعادة قرارها، في مواجهة حزب يصرّ على احتكار هذا القرار خارج المؤسسات.

المشكلة لم تعد في وجود خلاف، بل في طبيعة هذا الخلاف: أحد الطرفين يتعامل مع الدولة كمرجعية نهائية، فيما يتعامل الطرف الآخر معها كأداة يمكن تجاوزها عند الحاجة.

في ظل هذا الواقع، لا تبدو الهدنة سوى استراحة مؤقتة، ولا تبدو المفاوضات مضمونة النتائج. ما لم يُحسم الصراع الداخلي على تعريف السيادة، فإن أي مسار سياسي سيبقى هشًّا، وأي استقرار سيظل مؤقتًا.

لبنان اليوم ليس فقط تحت ضغط إسرائيل، بل تحت ضغط تناقضاته الداخلية. وبين دولة تحاول النهوض، وحزب يدفع نحو المواجهة، يبقى الخطر الأكبر أن ينهار كل شيء قبل أن يُحسم هذا الصراع.