في تصعيد غير مسبوق، رفع رئيس الجمهورية جوزاف عون سقف خطابه السياسي إلى مستوى المواجهة المباشرة مع “حزب الله”، في خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً في مقاربته للملف الداخلي، بعد أشهر من خطاب اتّسم بالحذر والدعوة إلى التفاهم.
ففي موقف هو الأكثر حدّة منذ انتخابه، حمّل عون بشكل واضح الجهات التي “جرّت لبنان إلى الحرب” مسؤولية الواقع الحالي، معتبراً أنها “لا تملك حق محاسبة الدولة على خيار التفاوض”، في رد مباشر على حملات التخوين التي تستهدف مسار المفاوضات مع إسرائيل.
وللمرة الأولى، تجاوز الخطاب الرئاسي حدود الدفاع عن خيار التفاوض، ليصل إلى اتهام ضمني بالخيانة، حين شدد على أن “الخيانة ليست في التفاوض، بل في جرّ البلاد إلى حرب لخدمة مصالح خارجية”، في إشارة واضحة إلى “حزب الله” ودوره الإقليمي.
من التهدئة إلى تثبيت السيادة
هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل يعكس مساراً تدريجياً في مواقف عون منذ توليه الرئاسة. ففي بداياته، اعتمد خطاباً تصالحياً، ركّز فيه على ضرورة معالجة الانقسامات الداخلية “بروية” ومن دون صدام مباشر، مع الحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف.
لاحقاً، بدأ هذا الخطاب يتبدل تدريجياً، مع بروز مواقف أكثر وضوحاً.
في خطاب الاستقلال الشهير شدّد عون بوضوح على ضرورة “حصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة”، معتبراً أن لبنان “تعب من اللادولة ومشاريع الدويلات”، في إشارة مباشرة إلى ازدواجية السلاح، من دون أن يصل يومها إلى مستوى المواجهة السياسية الصريحة التي يعتمدها اليوم.
التفاوض: نقطة تحول
التحول الأبرز جاء مع قرار الانخراط في مسار التفاوض المباشر، حيث انتقل عون من موقع التهدئة إلى موقع اتخاذ القرار، متحملاً تبعات خيار يعرف مسبقاً أنه سيواجه رفضاً داخلياً من الحزب والمقربين اليه.
وفي خطاب 17 نيسان الذي ألقاه بعد تثبيت وقف إطلاق النار، رفع عون تدريجياً سقف خطابه، مؤكداً أن “المفاوضات ليست ضعفاً ولا تنازلاً”، ومشدداً على أن لبنان “لم يعد ساحة لحروب الآخرين ولا ورقة في جيب أي جهة”، في إشارة واضحة إلى استعادة القرار الوطني. فوجّه حينها رسالة واضحة إلى من وصفهم بـ“المغامرين بمصير لبنان”، قائلاً لهم صراحة: “كفى”.
إلى المواجهة المفتوحة
أما اليوم، فيبدو أن رئيس الجمهورية انتقل إلى مرحلة جديدة بالكامل: من الدفاع عن خياراته، إلى التصدي السياسي المباشر، ومن محاولة استيعاب الاعتراض، إلى مواجهته بشكل صريح.
في خطابه الأخير، لم يكتفِ عون بتبرير التفاوض، بل وضعه في مواجهة واضحة مع خيار الحرب، متسائلاً عن جدوى الحروب التي “يدفع ثمنها أبناء الجنوب”، ومشدداً على أن ولاء اللبنانيين يجب أن يكون “للبنان فقط، لا لأي جهة خارجية”.
هذا التدرج في المواقف يعكس انتقالاً من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الحسم، حيث لم يعد الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل أصبح صراعاً مفتوحاً حول هوية القرار الوطني وخياراته الاستراتيجية.
وفي ظل هذا التصعيد، يمكن القول إن لبنان دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: مواجهة مباشرة بين منطق الدولة ومنطق السلاح، تقودها السلطة التنفيذية مجتمعة، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة، في محاولة لفرض استعادة القرار الوطني.