افتتح لبنان الرسمي أمس مسارا ديبلوماسيا شاقا، لكنه خطوة أولى على طريق استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم. وللمرة الاولى منذ عقود تفاوض الدولة اللبنانية مباشرة، دفاعا عن مصالحها بوجه إسرائيل، بدلا من انتظار الخارج ليقرر وليأخذ حصته من الورقة اللبنانية لتحقيق مصالحه.
وفي اللحظة التي فُتح فيها خط التفاوض المباشر في واشنطن، لم يكن لبنان يدخل مسارًا دبلوماسيًا تقليديًا، ذلك أن حرب الاسناد الايرانية التي زج بها الحرس الثوري لبنان، عن طريق ميليشيا "حزب الله" المحظورة، جعلت لبنان يُدفع إلى اختبار وجودي تتقاطع فيه الحرب مع السياسة، وتُعاد فيه صياغة معادلات الميدان على طاولة التفاوض.
فالمشهد كما يتكشف، لا يتعلق بوقف إطلاق نار أو إطلاق مسار سياسي فحسب، بل بإعادة تعريف موقع الدولة اللبنانية نفسها بين خيارين قاسيين: إما التكيف مع واقع ميداني تفرضه إسرائيل بالقوة، أو الانخراط في مواجهة داخلية مفتوحة مع "حزب الله" تحت عنوان "استعادة السيادة".
فهرس المحتوى [إظهار]
صراع الاولويات
المعطيات التي سبقت لقاء واشنطن تشير بوضوح إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع التفاوض كبديل عن الحرب، بل كأداة مكمّلة لها. فقرار حكومة بنيامين نتنياهو بعدم القبول بوقف إطلاق النار بشكل تام او حتى وقف الاجتياح والقضم البري، قبل أو خلال المفاوضات، يعكس تبنّي استراتيجية "التفاوض تحت النيران"، أي فصل المسار السياسي للدولة اللبنانية عن الواقع العسكري الذي يُفرض على الأرض.
وهذا ما يجعل أي تفاوض، عمليًا، يجري في ظل ميزان قوى مختل، حيث تتحرك الدبلوماسية تحت سقف الضغط العسكري المباشر.
الطرح الإسرائيلي الذي يقوده رون ديرمر يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يكتفي بفرض شروط أمنية، بل يعيد رسم الجغرافيا اللبنانية نفسها.
وبحسب مصادر خاصة بـ "كواليس"، إن إسرائيل تسعى الى تقسيم الجنوب إلى مناطق أمنية متدرجة، تبدأ بشريط خاضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، ثم منطقة انتشار للجيش اللبناني، وصولًا إلى عمق يُطلب فيه تفكيك كامل لبنية "حزب الله"، ما يعني عمليًا تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى "مكافأة مؤجلة"، مشروطة بقدرة الدولة على تنفيذ قرارات الحكومة بحصر السلاح وفقا لقرارات جلستي 5 و7 آب 2025، واستلحاقا قرار تجريم وحظر الجناح العسكري- الأمني للحزب في جلسة ٢ آذار الماضي.
في هذا السياق، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها عالقة في كماشة مزدوجة: القبول بهذا المسار يعني تكريس احتلال مقنّع طويل الأمد للجنوب، بينما رفضه يفتح الباب أمام استمرار الحرب والتهجير والاحتلال والمزيد من الضحايا والنازحين، كما تهديد الاقتصاد والسلم الأهلي، وصولا الى مواجهة داخلية يدفع اليها "الحزب"، وقد تتجاوز الحسابات السياسية إلى صدام أهلي واسع.
في المقابل، حاولت بيروت، بقيادة رئيس الجمهورية جوزيف عون، تثبيت معادلة مختلفة: لا تفاوض قبل وقف إطلاق النار. هذا الموقف، الذي نُقل بوضوح إلى الوفد اللبناني في واشنطن، يعكس إدراكًا بأن أي مسار سياسي في ظل استمرار العمليات العسكرية سيبقى هشًا وغير قابل للاستمرار. لكن المشكلة أن هذا الطرح يصطدم مباشرة بالرؤية الإسرائيلية، التي ترى في استمرار القتال أداة ضغط ضرورية لفرض شروطها، على الرغم من هدوء ملحوظ في العاصمة وضاحيتها منذ أيام.
اتفاق على الرف
الاجتماع الاول المباشر منذ سنوات بين سفيري لبنان وإسرائيل، عُقد بمشاركة ماركو روبيو، لم يكن مجرد لقاء تمهيدي، بل إعلانًا عن انتقال الملف إلى مرحلة أكثر حساسية.
الولايات المتحدة، من جهتها، قدّمت هذا المسار كـ "إنجاز تاريخي"، لكنها في الوقت نفسه ربطته بشكل واضح بأجندة أوسع، تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء النفوذ الإيراني، ما يعكس أن التفاوض ليس معزولًا عن السياق الإقليمي الأوسع.
اللافت أن الطرح الإسرائيلي، بحسب خبراء لـ "كواليس"، يتضمن فكرة "اتفاق على الرف"، أي تفاهم مؤجل التنفيذ، يقوم على معادلة قاسية: إذا نجح لبنان في تفكيك "حزب الله"، تتوقف الحرب، وإذا فشل، تستمر العمليات العسكرية. هذا النموذج لا يشبه تسوية، بل أقرب إلى صيغة ابتزاز سياسي، تُحوَّل فيها الحرب إلى أداة رقابة على أداء الدولة، ويُصبح وقف النار امتيازًا مشروطًا لا حقًا سياديًا.
الأخطر من ذلك، أن إسرائيل لا تنظر إلى هذه الحرب كملف لبناني فقط، بل كمدخل لإعادة ترتيب التوازنات داخل محور إقليمي كامل. فالسعي إلى فصل حزب الله عن إيران، واستثمار اللحظة الحالية كـ "نقطة انكسار"، يكشف أن الهدف يتجاوز الجنوب اللبناني إلى بنية التحالفات في المنطقة.
المساران اللبناني- السوري: نموذج موحد
لكن هذا المسار لا يمكن فهمه بمعزل عن الشق السوري، الذي يشهد بدوره تحولات موازية لا تقل أهمية.
فالمفاوضات غير المباشرة بين دمشق وإسرائيل، برعاية أميركية، قامت على إعادة إحياء اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مع مطالب سورية بانسحاب إسرائيلي من مناطق دخلتها بعد 2024، مقابل ترتيبات أمنية جديدة. غير أن التعثر في هذا المسار، بسبب الخلاف على نقاط حساسة مثل جبل الشيخ، يعكس أن إسرائيل تتبع مقاربة واحدة في الجبهتين: فرض وقائع ميدانية أولًا، ثم التفاوض عليها لاحقًا.
وكشفت مصادر سورية ل "كواليس"، انه في الجنوب السوري، تستمر التوغلات والضغط على القنيطرة ودرعا، بالتوازي مع رفض إسرائيلي لأي انتشار عسكري منافس، بما في ذلك الروسي. هذا السلوك يوازي ما يجري في جنوب لبنان، حيث يتم تثبيت واقع أمني جديد على الأرض، قبل أي اتفاق سياسي. بمعنى آخر، هناك نموذج إسرائيلي موحّد يُطبَّق من لبنان إلى سوريا: السيطرة الميدانية أولًا، ثم تحويلها إلى أوراق تفاوض.
هذا الترابط بين المسارين اللبناني والسوري يطرح معادلة أوسع: نحن أمام إعادة تشكيل للحزام الأمني الشمالي لإسرائيل، من جنوب لبنان إلى جنوب سوريا، ضمن رؤية استراتيجية واحدة، تتجاوز فكرة التهدئة المؤقتة إلى إعادة هندسة الجغرافيا الأمنية في المنطقة.
إعادة تعريف موقع الدولة
داخليًا، لم يُحسم الموقف اللبناني بعد. الاجتماع المرتقب لكتلة رئيس البرلمان نبيه بري سيشكل مؤشرًا حاسمًا على مدى قدرة النظام السياسي على التماسك أو الانقسام. فبري، بحكم موقعه وعلاقاته، يمثل نقطة توازن حساسة بين الدولة وحزب الله، وأي موقف يصدر عنه سيُقرأ كإشارة إلى اتجاه البوصلة الداخلية.
في المحصلة، لا يقف لبنان اليوم أمام مفاوضات تقليدية، بل أمام لحظة إعادة تعريف شاملة: موقع الدولة، وظيفة السلاح، شكل العلاقة مع الخارج، وحدود السيادة نفسها. وبين احتمال التهدئة المؤقتة واحتمال التصعيد، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو مسار طويل من الأخذ والرد، تُدار فيه الحرب بالسياسة، وتُدار السياسة تحت ضغط الحرب.
في هذا الهامش الضيق، بين احتلال يتوسع بصمت وصدام داخلي يلوح في الأفق، يُختبر لبنان فعليًا: هل يستطيع تحويل التفاوض إلى أداة لحماية سيادته، أم أنه سينزلق تدريجيًا إلى تنفيذ شروط تُفرض عليه تحت النار؟