لم تعد أصوات الانفجارات هي الوحيدة التي تُسمع في لبنان، بل بدأت تعلو فوقها أصوات كانت بالأمس القريب تلوذ بالصمت أو القمع. اليوم، ومن قلب مراكز النزوح والشوارع التي غصت بالعائلات المشردة، تخرج صرخات من داخل البيئة الشيعية، تعبر عن مرارة الخذلان وعمق المأساة التي خلفتها الحرب.
خسائر الأفراد.. وعجز المؤسسة
في فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي نشرته صفحة "المدن بلس"، تظهر شابة لبنانية من الضاحية الجنوبية، تختصر معاناتها بكلمات تحبس الأنفاس. هذه الشابة التي استثمرت تعبها وما تملكه (نحو 9000 دولار) لتجهيز صالون تجميل في منطقة "تحويطة الغدير"، وجدت حلمها ركاماً في لحظة. لكن الوجع الأكبر لم يكن في خسارة الحجر، بل في غياب التعويض، حيث تؤكد بمرارة: "لحد هلق ما حدا عوضني بشيء".
وتضيف الشابة بحرقة تعكس واقع الآلاف: "بطلت قادرة ساعد أهلي بالمصروف، ولا حتى قادرة ساعد حالي". هذا الاعتراف البسيط يختصر انهيار "الأمان الاجتماعي" الذي كان الحزب يروج له، فالفرد الذي كان منتجاً ومعيلاً لعائلته، تحول فجأة إلى عاجز لا يملك حتى ثمن احتياجاته الشخصية الأساسية.
هذه الشهادة تفتح الباب أمام تساؤل جوهري يتردد في المجالس الضيقة والعلنية: إذا كان الحزب عاجزاً عن تعويض شابة فقدت مصلحة صغيرة بقيمة 9 آلاف دولار، فكيف سيعيد بناء مدن وقرى دُمرت بالكامل في الجنوب والبقاع والضاحية؟
كسر حاجز الخوف
لسنوات طويلة، كان الانضباط الحديدي هو السمة الغالبة على بيئة "المقاومة"، وكان الانتقاد يُعتبر "خروجاً عن الصف" أو "خدمة للعدو". لكن حجم الكارثة الحالية كسر هذا القيد. نرى اليوم مواطنين يسألون بصوت عالٍ: "شو بدي أعمل؟ بس فهموني".
هذا التساؤل ليس مجرد طلب للمساعدة، بل هو إدانة لقرار الدخول في "حرب انتحارية" لم يكن لبنان، ولا حتى اللبنانيون في أكثر المناطق تأييداً للحزب، مستعدين لتبعاتها الكارثية. الناس الذين كانوا يفاخرون بالمنظومة الاجتماعية والخدماتية للحزب، يجدون أنفسهم اليوم في خيام لا تقي برد الشتاء، يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، حتى "الألف ليرة" لم تعد متوفرة في جيوبهم لمساعدة أهاليهم.
بين الأيديولوجيا والواقع
إن سياسة "القمع الناعم" أو التخوين التي كانت تمارس لإسكات الأصوات المعترضة بدأت تفقد فاعليتها أمام الجوع والتشرد. المعاناة لم تعد وجهة نظر، بل حقيقة دامغة يعيشها خمسة أشخاص في خيمة واحدة، كما ورد في الفيديو.
يواجه حزب الله اليوم التحدي الأكبر في تاريخه: ليس التحدي العسكري فحسب، بل تحدي المصداقية أمام ناسه. فالوعود بإعادة الإعمار والتعويضات السريعة تصطدم بواقع اقتصادي منهار وبنية تحتية مدمرة، مما يجعل الحديث عن "النصر" يبدو غريباً في آذان عائلات فقدت منازلها وشباب تحطم مستقبلها المهني.
إن هذه الأصوات التي بدأت تخرج إلى العلن هي جرس إنذار. هي صرخة "البيئة" التي تحملت الكثير، لكنها اليوم تسأل عن ثمن المغامرة، وعن مصير بلد دُفع إلى حافة الهاوية دون مظلة أمان. فهل يستمر الحزب في تجاهل هذه الأنين، أم أن واقع "الناس التي لم تعد قادرة" سيفرض معادلة جديدة على الساحة اللبنانية؟