كشف تقرير تحليلي لصحيفة فايننشال تايمز أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه مأزقاً استراتيجياً متصاعداً في تعاطيه مع إيران خلال ولايته الثانية، بعدما فشلت سياسة التهديد والحشود العسكرية في انتزاع أي تنازل إيراني يتعلق بالبرنامج النووي، ما يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: التراجع السياسي أو الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة تفتقر للإجماع الداخلي والخطة الواضحة.
مفاوضات ايران وامريكا
وبحسب التقرير، انعكس إحباط ترامب من تعثر المسار الدبلوماسي في تبنيه خطاباً أكثر حدّة، تمثّل بمشاركته مقطعاً لمذيع فوكس نيوز مارك ليفين يدعو صراحة إلى تغيير النظام في طهران. ورغم تأكيد الرئيس الأميركي أنه لا يزال يفضّل التوصل إلى اتفاق، إلا أنه لوّح بـ"يوم سيئ" لإيران إذا واصلت رفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم.
وعسكرياً، نشرت الولايات المتحدة أكبر حشد لها في الشرق الأوسط منذ حرب العراق، شمل إرسال حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد إلى شرق المتوسط، في رسالة ضغط مباشرة. وفي هذا السياق، أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن جميع الخيارات العسكرية مطروحة على طاولة الرئيس.
غير أن هذا الاستعراض للقوة يصطدم بقيود ميدانية حادة؛ إذ خلصت تقديرات استخباراتية إسرائيلية إلى أن القدرات الأميركية المتاحة لا تسمح إلا بحملة جوية قصيرة لا تتجاوز أربعة أو خمسة أيام. كما حذّر خبراء من أن أي هجوم سيقابله رد إيراني واسع يستهدف القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن، إضافة إلى البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
داخلياً، يواجه ترامب معارضة متنامية داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، إذ أشارت تقارير إلى اعتراض رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين على خيار الحرب، بينما تُظهر استطلاعات الرأي رفض الغالبية الديمقراطية ونحو ربع الجمهوريين لأي تدخل عسكري جديد، ما يهدد القاعدة الانتخابية للرئيس.
ويربط التقرير جذور هذا المأزق بثقة مفرطة اكتسبها ترامب من نجاحات سابقة، أبرزها إزاحة نيكولاس مادورو من السلطة في فنزويلا، إضافة إلى ردود إيرانية وُصفت بالضعيفة على محطات سابقة، مثل الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، واغتيال قاسم سليماني عام 2020.
كما يشير التحليل إلى تخبط في مبررات التصعيد؛ إذ بدأ الخطاب الأميركي أواخر العام الماضي بدعوى دعم المتظاهرين الإيرانيين، قبل أن يتحول سريعاً إلى استراتيجية ضغط بأهداف متغيرة، تراوحت بين تفكيك البرنامج النووي، وكبح الجماعات المسلحة، وصولاً إلى تدمير الصواريخ الباليستية.
ويرى خبراء، من بينهم الباحث في شؤون الشرق الأوسط آرون ديفيد ميلر، إلى أن ترامب حاصر نفسه سياسياً بحشود عسكرية ووعود قصوى، ليجد إدارته اليوم في زاوية ضيقة: إما انتزاع تنازل إيراني كبير يحفظ ماء الوجه، أو الانزلاق إلى حرب لا يرغب بها الداخل الأميركي ولا تملك واشنطن لها استراتيجية خروج واضحة.
المصدر: فايننشال تايمز