القائمة
01:19 23 شباط 2026

إسرائيل تصارع الوقت: ضغوط لضرب إيران وخوف من تسوية جنيف

عربية وإقليمية

تُظهر المقاربة التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ازدواجية محسوبة بين استعراض القوة العسكرية في المنطقة والفرملة السياسية. فالإدارة الأميركية لا تدفع بالحشود البحرية والجوية بوصفها مقدمة حتمية للحرب، بل كما يعتبرها مراقبون أداة ضغط تهدف إلى تعديل السلوك الإيراني دون الوقوع في فخ مواجهة مفتوحة. 

هذا التردد يجد جذوره في الإرث الثقيل لحرب العراق عام 2003، حيث بات صانع القرار الأميركي أسير هاجس "المستنقع الطويل"، ما يفسر البحث عن ضربات محدودة وقابلة للاحتواء بدلاً من سيناريوهات الانخراط الشامل.

في هذا السياق، تشير تسريبات متقاطعة مع ما نشرته نيويورك تايمز إلى أن ترامب يفضّل خيار "الضربة الجراحية" كأداة اختبار سياسي وعسكري، لا كمدخل لتغيير النظام. هذا الخيار تحكمه اعتبارات داخلية دقيقة، أبرزها الخشية من ارتفاع أسعار النفط وما يحمله من كلفة انتخابية، إضافة إلى قناعة راسخة داخل واشنطن بأن العقوبات الاقتصادية تمنح عامل الزمن قيمة استراتيجية تفوق الضربات العسكرية الواسعة.

على الضفة الأخري، يتجه الاهتمام الإسرائيلي إلى جنيف، إذ تلوح مؤشرات على مسار تفاوضي قد يقتصر على البرنامج النووي الإيراني، عبر لقاء مرتقب، الخميس المقبل، بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحضور رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي. بالنسبة لتل أبيب، لا تكمن الخطورة في الاتفاق بحد ذاته، بل في تجاهله ملف الصواريخ الباليستية وشبكة النفوذ الإقليمي، ما يعني عملياً تحييد التهديد الذي تعتبره إسرائيل وجودياً.

هذا المسار يضع إسرائيل أمام مأزق مزدوج: فمن جهة، أي اتفاق نووي سيمنح إيران شرعية دولية جديدة، تسحب الغطاء السياسي عن أي ضربة إسرائيلية مستقبلية. ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن "ضوء أخضر" أميركي لتحرك إسرائيلي منفرد يُنظر إليه داخل الكابينت كفخ قد يجر تل أبيب إلى حرب استنزاف طويلة بلا مظلة أميركية مباشرة، في تكرار لخيبة عام 2015 إبان توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة.

في المقابل، تعتمد إيران استراتيجية مزدوجة تقوم على المرونة التفاوضية المشروطة بالردع. فبينما يلوّح عراقجي بإمكانية التوصل إلى اتفاق "أفضل من 2016"، تُرفق طهران هذا الخطاب بتهديد صريح باستهداف القواعد الأميركية المنتشرة في الإقليم إذا تعرضت لهجوم. ورغم أن هذه القواعد تطوق الجغرافيا الإيرانية، إلا أن القيادة في طهران حوّلت هذا التطويق إلى عنصر ردع، معتبرة أن كثافتها تجعلها أهدافاً مباشرة وسهلة، ما يفرض على البنتاغون حسابات شديدة التعقيد قبل إشعال أي مواجهة.

في الوقت ذاته، تدرك إيران هشاشتها الداخلية اقتصادياً واجتماعياً، ما يدفعها إلى تفضيل تنازلات تكتيكية في ملف التخصيب على خوض مواجهة مباشرة قد تهدد استقرار النظام، في إطار ما تصفه بنهج "الصبر الاستراتيجي".

أمام هذا المشهد، تصعّد إسرائيل خطابها الوجودي في محاولة لدفع واشنطن نحو الخيار العسكري. تصريحات مستشار الأمن القومي الأسبق غيورا آيلاند، التي لجأت إلى تشبيهات تاريخية حادة، لا تُقرأ في تل أبيب كخطاب إعلامي عابر، بل كجزء من استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة الصراع بوصفه معركة بقاء، وإقناع صانع القرار الأميركي بأن أي تسوية لا تنتهي بتفكيك القدرات الإيرانية تمثل خطراً وجودياً على إسرائيل.

هكذا، تتقاطع ثلاث قراءات متناقضة للمشهد: واشنطن تفكر بمنطق الاحتواء والصفقات، طهران تراهن على الوقت والبقاء، فيما تنظر تل أبيب إلى الصراع من زاوية صفرية لا تحتمل التسويات. وبين هذه المقاربات، يبقى الشرق الأوسط معلقاً على حافة قرار لم يُحسم بعد.

المصدر: نيويورك تايمز + كواليس