تعيش المنطقة على إيقاع تصعيد متسارع بين واشنطن وطهران، وسط ترقّب لما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية بشأن الملف النووي، في لحظة توصف بأنها مفصلية، إما تفضي إلى اتفاق يعيد ضبط الإيقاع الإقليمي، أو إلى مواجهة عسكرية مفتوحة يصعب تقدير حدودها وتداعياتها.
تشير المعطيات المتداولة في الأوساط الديبلوماسية إلى أن الإدارة الأميركية لا تملك هامشاً واسعاً للمماطلة، في ظل استحقاقات داخلية واعتبارات انتخابية ضاغطة، فيما تتهم طهران بلعب «ورقة الوقت» عبر إطالة أمد التفاوض من دون تقديم تنازلات حاسمة. ومع إعلان جهوزية عسكرية أميركية محتملة اعتباراً من نهاية الأسبوع، ارتفع منسوب القلق إلى ذروته.
وفي هذا السياق، حضر لبنان عابراً في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع في واشنطن، إذ أشار إلى أن «مشكلة لبنان» قيد المعالجة، معتبراً أنها صغيرة نسبياً قياساً بملفات أخرى، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها ربط ضمني للساحة اللبنانية بمآلات «الكباش» مع إيران.
لبنان في دائرة الانتظار
داخلياً، عاد لبنان إلى موقع المتأثر المباشر بأي تطور إقليمي. مصادر رسمية تتحدث عن «أسبوعين حاسمين» سترسم نتائجهما اتجاه الرياح السياسية والأمنية في البلاد، سواء في ما يتعلق بخطة حصر السلاح، أو مؤتمر دعم الجيش، أو حتى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بما فيها الجدل القانوني حول اقتراع المغتربين.
وتتركز الاتصالات بين الرئاسات الثلاث و«حزب الله» على تجنيب لبنان الانخراط في أي حرب إسناد لإيران في حال تعرضت لضربة عسكرية. وبحسب مصادر مطلعة، لم يقدم الحزب موقفاً نهائياً بعد، مفضلاً إبقاء خياراته مفتوحة، مع التشديد على ضرورة الحصول على ضمانات بعدم استهدافه.
في المقابل، أفادت تقارير إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي في حال تأهب على الجبهة الشمالية تحسباً لأي تصعيد، مع وجود خطط جاهزة لشن هجوم استباقي في حال تطور الموقف.
مؤتمر باريس: دعم الجيش في مواجهة الهشاشة
على خط موازٍ، تتقدم التحضيرات للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في باريس في الخامس من آذار المقبل، في خطوة تعكس اهتماماً فرنسياً ودولياً بتعزيز قدرات المؤسسات العسكرية في ظل هشاشة المشهد الإقليمي.
فقد وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعوة رسمية إلى الرئيس جوزاف عون للمشاركة في رئاسة المؤتمر، مؤكداً أهمية دعم الجيش لضمان الاستقرار وبسط سيادة الدولة، ولا سيما في ظل الحديث عن مرحلة ما بعد قوات اليونيفيل عام 2027.
وتندرج هذه الخطوة ضمن تنسيق أوسع تشارك فيه الولايات المتحدة والسعودية وقطر ومصر، في محاولة لتأمين دعم سياسي ومالي وتقني مستدام للجيش على مدى السنوات الخمس المقبلة.
غير أن المشهد اللبناني لا يقتصر على القلق الأمني. فالبلاد تواجه أيضاً تداعيات قرارات حكومية بزيادة أسعار البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، ما فتح الباب أمام تحركات نقابية محتملة، ووضع القوى السياسية أمام اختبار شعبي حساس مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية.
ويبدو أن السلطة اللبنانية تعتمد حالياً سياسة «إدارة الانتظار»، بانتظار اتضاح صورة الصراع الأميركي – الإيراني، قبل حسم ملفات كبرى تتصل بحصر السلاح، وموازين القوى الداخلية، والاستحقاقات الدستورية.
في المحصلة، يقف لبنان عند تقاطع أزمتين: إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، وداخلية مثقلة بانقسامات سياسية وضغوط اقتصادية. وإذا كانت واشنطن وطهران تختبران حدود القوة والتفاوض، فإن بيروت تختبر مجدداً قدرتها على تحييد نفسها عن عاصفة قد تتجاوزها أو تضربها في الصميم.
الأيام القليلة المقبلة كفيلة بتحديد الاتجاه: تسوية تعيد خلط الأوراق بهدوء، أم مواجهة تعيد إشعال الجبهات، وتضع لبنان مرة جديدة في قلب المعادلة لا على هامشها.