في طرحٍ يعيد فتح النقاش حول جوهر النظام السياسي اللبناني وتطبيق المادة ٩٥ بشكل كامل، دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى الانتقال نحو تطبيق نظام المجلسين كما ينص عليه الدستور، معتبراً أن أزمة المواطنة في لبنان ترتبط مباشرة ببنية النظام الطائفي وآليات عمله.
مجلس الشيوخ اللبناني
خلال مؤتمر حول المواطنة عُقد صباح الجمعة، طرح سلام إمكانية الانتقال إلى نظام المجلسين المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، بحيث يُحصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ، فيما يُنتخب مجلس النواب خارج القيد الطائفي، بما يكرّس – وفق تعبيره – «المشاركة الوطنية أو بالأحرى المشاركة المواطنية».
هذا الطرح يعيد إحياء بند دستوري بقي معلقاً منذ إقرار اتفاق الطائف، إذ يفترض إنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية، مقابل مجلس نواب وطني لا طائفي. ورغم مرور عقود على النص، لم تُتخذ خطوات عملية لتنفيذه، ما أبقى النظام النيابي أسير التوازنات الطائفية التقليدية.
المادة 95: تطبيق كامل بلا تجزئة
وشدّد سلام على ضرورة العودة إلى المادة 95 من الدستور وتطبيقها «بالكامل دون اجتزاء أو تشويه». وتتناول هذه المادة آلية إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً، عبر تشكيل هيئة وطنية تتولى دراسة واقتراح الخطوات الكفيلة بتحقيق ذلك.
إعادة طرح المادة 95 في هذا التوقيت تندرج ضمن تصاعد النقاشات حول الإصلاح السياسي، لا سيما في ظل الأزمات المتراكمة التي كشفت هشاشة بنية الدولة وعجزها عن إنتاج سياسات عامة جامعة خارج الحسابات الطائفية.
أزمة مواطنة أم أزمة نظام؟
وفي مقاربة مباشرة، اعتبر سلام أن إعاقة نمو المواطنة تقع على عاتق النظام السياسي القائم على الطوائف، حيث تُقدَّم الأدوار الطائفية أحياناً على حساب حقوق الأفراد. ورأى أن جوهر أزمة المواطنة في لبنان يتمثل في غياب الاعتراف السياسي الكامل بحق الفرد بالاستقلال عن انتمائه الطائفي.
هذا التوصيف يعكس تحوّلاً في الخطاب من التركيز على «إدارة التوازنات» إلى مساءلة بنية النظام نفسه. فالمواطنة، وفق هذا الطرح، لا يمكن أن تزدهر في ظل نظام يُعرّف الفرد أولاً بصفته الطائفية قبل صفته المدنية.
بين النص الدستوري والواقع السياسي
عملياً، يفتح كلام سلام باب التساؤل حول مدى جهوزية القوى السياسية للدخول في مسار إصلاحي فعلي يمسّ أسس النظام. فالانتقال إلى مجلسين يتطلب تعديلات قانونية وانتخابية عميقة، إضافة إلى توافق وطني واسع يصعب تحقيقه في ظل الاستقطاب القائم.
مع ذلك، يعكس طرحه توجهاً متجدداً نحو استعادة النقاش حول الدولة المدنية ضمن الأطر الدستورية نفسها، بعيداً عن الطروحات الشعبوية أو الشعارات الفضفاضة.
وبين النص الدستوري غير المطبّق والواقع السياسي المقيّد بالمحاصصة، يبقى السؤال مطروحاً: هل يشكّل إحياء المواد المؤجلة من الدستور مدخلاً فعلياً لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن في لبنان، أم يبقى النقاش أسير المؤتمرات والخطابات؟