في خطوة تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية الروتينية، استدعت الخارجية الإيرانية السفير الألماني أكسل ديتمن، في تصعيد يُقرأ في طهران على أنه محاولة متعمدة لرسم "خطوط حمراء" جديدة بوجه أوروبا.
هذا الاستدعاء لا يرتبط بتصريحات عابرة أو حادثة منفردة، بل يعكس قلقاً استراتيجياً متنامياً من تحوّل ألمانيا إلى ما تعتبره طهران "حاضنة سياسية" للمعارضة الإيرانية في الخارج، بما يتجاوز حدود الخلافات الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى تهديد وجودي مباشر.
جوهر التصعيد يكمن في إدراك إيراني متزايد بأن برلين لم تعد تؤدي دور "الوسيط النزيه" أو الشريك الاقتصادي البراغماتي الذي طالما حافظ على قنوات التواصل مع طهران، بل أضحت من وجهة النظر الإيرانية منخرطة فعلياً في مسار "نزع الشرعية" عن النظام. ويتجلى ذلك، وفق مصادر مطلعة، في توفير منصات دولية مؤثرة لشخصيات معارضة بارزة، وعلى رأسها نجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، ولا سيما خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، إذ طرح الرجل دعوات علنية تطالب بتدخل أميركي وإسرائيلي، وهو ما تعتبره طهران تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء.
الغضب الإيراني، بحسب ما أفادت به مصادر مطلعة، هو حصيلة تراكمات لا يمكن اختزالها في تظاهرات أو تصريحات آنية. فمؤتمر ميونيخ، الذي كان في سنوات سابقة مساحة تحاول عبرها طهران تبرير سياساتها والدفاع عن خياراتها الإقليمية، تحوّل في نظر صناع القرار الإيرانيين إلى منصة تمنح المعارضة شرعية دولية متصاعدة. هذا التحول يشي، وفق القراءة الإيرانية، بعزلة سياسية خانقة، لا سيما حين يُسمح لشخصيات معارضة باستخدام منابر أوروبية للدعوة إلى إسقاط النظام أو تدويل أزمته الداخلية.
إلى جانب ذلك، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تحوّل المدن الألمانية إلى ساحة بديلة للحراك الإيراني المعارض. فمع تشديد القبضة الأمنية في الداخل، أصبحت شوارع ميونيخ وغيرها من المدن الألمانية بمثابة "رئة سياسية" للمعارضة، حيث شارك آلاف المتظاهرين في فعاليات حاشدة، مولّدين ضغطاً إعلامياً وسياسياً متزايداً على الحكومات الغربية، وهو ما تنظر إليه طهران باعتباره امتداداً للمواجهة الداخلية على أرض أوروبية.
قراءة هذا التصعيد لا تكتمل من دون العودة إلى السياق القريب، إذ يُذكر أن برلين كانت السباقة إلى رفع منسوب التوتر عندما استدعت، في 13 يناير/كانون الثاني الماضي، السفير الإيراني لديها احتجاجاً على حملات القمع التي رافقت الاحتجاجات. هذه الخطوة مثّلت، في الحسابات الإيرانية، كسراً لقاعدة "الحفاظ على قنوات الاتصال" التي ميّزت السياسة الألمانية تجاه إيران لعقود. واليوم، ترد طهران بالمثل، في ما يشبه لعبة "عضّ الأصابع" الدبلوماسية، حيث يلوّح نواب في البرلمان الإيراني بإعادة النظر في مجمل العلاقات، مستخدمين ورقة المصالح الاقتصادية كورقة ضغط مضادة.
ولا يمكن فصل هذا التوتر الخارجي عن الوضع الداخلي المتفجر في إيران. فالمراقبون يجمعون على أن "العصبية الدبلوماسية" التي تبديها طهران هي انعكاس مباشر لأزمة داخلية عميقة اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأول، على خلفية تدهور العملة المحلية والانهيار الاقتصادي. وفي ظل اتساع رقعة الاحتجاجات، وقطع الإنترنت، وتصاعد حملات القمع، تلجأ السلطات إلى تصدير الأزمة عبر افتعال معارك دبلوماسية، لتقديم الحراك الشعبي على أنه "مؤامرة خارجية" تُدار من عواصم أوروبية، وفي مقدمتها برلين، بما يبرر تشديد القبضة الأمنية ومحاولة رصّ الصفوف داخلياً.
فالعلاقات الأوروبية–الإيرانية تقف عند مفترق حاسم. فإذا واصلت برلين سياسة "الأبواب المفتوحة" أمام المعارضة الإيرانية، وتمسكت طهران بنهجها التصعيدي، فإن المشهد مرشح لمزيد من التدهور، قد يصل إلى إجراءات عقابية متبادلة أو حتى طرد دبلوماسيين. سيناريو كهذا من شأنه إغلاق إحدى أهم نوافذ إيران على الغرب، في لحظة تبدو فيها طهران بأمسّ الحاجة إلى أي متنفس سياسي أو اقتصادي.
المصدر: كواليس + وكالة مهر