بينما كان الدبلوماسيون يطوون أوراقهم في فنادق جنيف الباردة، كانت محركات المقاتلات الأميركية الأكثر تطوراً تشقّ أجواء الشرق الأوسط. المشهد لا يوحي بجولة تفاوض تقليدية، بل بسباق مع الزمن داخل "المنطقة الرمادية" الفاصلة بين اتفاق الضرورة والانزلاق إلى حرب شاملة، حيث تتداخل الطاولة الدبلوماسية مع خرائط العمليات العسكرية.
في ما وراء الخبر، انتهت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران إلى معادلة غير متوازنة: "وعد إيراني" يقابله "حشد أميركي". فقد نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي أن طهران تعهّدت بتقديم مقترحات مفصّلة خلال أسبوعين لسدّ الثغرات العالقة. غير أن قراءة المشهد توحي بأن هذه المهلة ليست فسحة تفكير تقنية، بل أشبه بعدٍّ تنازلي قبل الانتقال إلى خيارات أكثر خشونة، في حال فشل المسار السياسي.
جوهر القصة أن المفاوضات لا تُدار في ظروف طبيعية. إدارة الرئيس دونالد ترامب تحاول فرض معادلة "الإذعان أو الضربة"، مستندة إلى ضغط عسكري غير مسبوق، فيما يناور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على حافة الهاوية، محاولاً شراء الوقت وتقديم مرونة محسوبة لا تمسّ الخطوط السيادية للنظام ولا تفتح الباب لانهيار داخلي.
اختيار مهلة الأسبوعين، بحسب مصادر مطلعة، لم يكن تفصيلاً عابراً. فواشنطن تريد هذه المرة التزامات مكتوبة وآليات تحقق واضحة، لا وعوداً شفهية كما في الجولات السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي. وفي الوقت نفسه، يعيد هذا التوقيت إلى الذاكرة سيناريو حزيران/يونيو 2025، حين مُنحت طهران مهلة مشابهة انتهت بضربات جوية بعد فشل الدبلوماسية. هذا التشابه الزمني يشي بأن البيت الأبيض يهيّئ الرأي العام والمؤسسات لقرار حاسم إذا تكرر التعثّر.
وعلى الأرض، تتحدث لغة الرادارات بلهجة مغايرة للبيانات الدبلوماسية. فبالتزامن مع حديث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن "مبادئ توجيهية" وتقدم نسبي، كشفت التحركات الأميركية عن انتقال واضح من مرحلة الردع إلى الجهوزية الهجومية. وصول عشرات المقاتلات من طرازات F-35 وF-22 وF-16 خلال فترة قصيرة، إلى جانب تعزيز الوجود البحري بحاملات طائرات إضافية، يحمل رسالة مباشرة بأن الخيارات العسكرية باتت جاهزة للتنفيذ. في المقابل، ردّت طهران بمناورات بحرية واسعة، ملوّحة بأن أي استهداف لمنشآتها قد يفتح باب مواجهة إقليمية تشمل الممرات الحيوية.
رغم الحديث المتكرر عن "تقدم في بعض الملفات"، يرى محللون أن الفجوة الحقيقية تكمن فيما لم يُقل. فقد أشار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بوضوح إلى أن طهران لا تزال ترفض الاعتراف بالخطوط الحمراء، وهي خطوط تتجاوز الملف النووي لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية وشبكة النفوذ الإقليمي. هذه الملفات، التي تعتبرها واشنطن وتل أبيب جوهر الأزمة، تراها إيران ركائز لا يمكن التنازل عنها من دون المساس بأمنها الاستراتيجي.
في تل أبيب، يُنظر إلى المفاوضات بعين الشك. تسريبات من محيط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تشير إلى استعداد لسيناريوهات بديلة، فيما يروّج الإعلام العبري لرواية مفادها أن الفجوات غير قابلة للتجسير. هذا الضغط الإسرائيلي يهدف إلى منع أي اتفاق جزئي قد يمنح طهران متنفساً اقتصادياً من دون كبح قدرتها العسكرية.
فالأسبوعين المقبلين قد يكونان فاصلاً تاريخياً. إما أن تعود طهران بتنازلات مؤلمة ترضي واشنطن وتطمئن إسرائيل، أو أن تتحول هذه المهلة إلى "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، حيث تنتقل القرارات من طاولات التفاوض في جنيف إلى غرف العمليات في البنتاغون وتل أبيب.
المصدر: كواليس + وكالات