القائمة
04:13 15 شباط 2026

بغداد ترفع "اللاءات الثلاث" بوجه واشنطن وسط فراغ داخلي

عربية وإقليمية

لم يكن إعلان بغداد، اليوم الأحد، "اللاءات الثلاث" مجرّد موقف سيادي عابر، ولا بياناً دبلوماسياً للاستهلاك الإعلامي، بل جاء بوصفه محاولة استباقية لتحصين العراق من الانزلاق مجدداً إلى قلب صراع إقليمي مفتوح. فالدولة التي تعيش داخلياً شللاً دستورياً مزمناً، اختارت أن ترفع سقف خطابها الخارجي، رافضة استخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها في أي عمل عسكري قد يستهدف إيران، واضعة هذا الموقف مباشرة في مواجهة الولايات المتحدة، لا بوصفه رسالة احتجاج، بل كخط دفاع أخير عن استقرار هش.

مصادر مطلعة تشير إلى أن هذا التشدد العراقي لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج قراءة أمنية عميقة لاحتمالات انهيار مسار التفاوض بين واشنطن وطهران. وبحسب هذه المصادر، فإن بغداد تدرك أن أي ضربة خاطفة تمر عبر "الخاصرة العراقية الرخوة" ستعيد إنتاج سيناريوهات سابقة دفعت البلاد كلفتها سياسياً وأمنياً، وهو ما دفع وزارة الخارجية إلى تبني خطاب حازم أقرب إلى "إعلان تحييد قسري" للعراق عن ساحة المواجهة.

في هذا السياق، يرى مراقبون أن الحراك الدبلوماسي الذي قادته الخارجية العراقية في الأيام الأخيرة يندرج ضمن ما يمكن تسميته دبلوماسية حافة الهاوية. فمشاركة وكيل وزارة الخارجية العراقية، محمد حسين بحر العلوم في طهران، وتأكيده العلني على رفض الاعتداءات العسكرية، لم تكن خطوة بروتوكولية، بل رسالة مزدوجة الاتجاه: تطمين لطهران، وتحذير مبطن لواشنطن من مغبة تجاوز الخطوط العراقية.

وتعزز هذا المسار، وفق خبراء، بالاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية فؤاد حسين ونظيره الإيراني عباس عراقجي، حيث بدا أن العراق لا يكتفي بدور "الداعم السياسي" لمفاوضات جنيف، بل يسعى للتموضع كـ"ناقل رسائل" و"ضامن إقليمي" يملك هامش حركة بين العاصمتين. ويشير الخبراء إلى أن إدراج ملف "نقل سجناء داعش" في البيان لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل ورقة أمنية ثقيلة أرادت بغداد من خلالها إظهار استعدادها لتقديم تنازلات محسوبة في ملف مكافحة الإرهاب، مقابل تحييد أراضيها عن أي تصعيد محتمل.

غير أن المفارقة الأبرز، بحسب محللين، تكمن في أن هذا النشاط الخارجي المكثف يصدر عن نظام سياسي يعاني من "شلل نصفي". فالعراق اليوم يدار بصلاحيات منقوصة، في ظل فراغ دستوري خانق ناتج عن الخلاف الكردي المستمر على منصب رئاسة الجمهورية، ما عطّل استكمال الاستحقاقات الدستورية وأبقى القرار الداخلي رهينة للتجاذبات الحزبية.

ويشير مطلعون إلى أن هذا الانسداد جعل بغداد أكثر حساسية تجاه أي تطور إقليمي، إذ إن غياب رأس تنفيذي كامل الصلاحيات يحدّ من قدرة الدولة على إدارة الأزمات إذا ما انفجرت عسكرياً. من هنا، تُقرأ "اللاءات الثلاث" كمحاولة لتعويض الضعف الداخلي بتشديد الموقف الخارجي، وتحصين الجبهة العراقية قبل أن تداهمها العاصفة.

وفي ما يتصل بالسياق التفاوضي، يرى خبراء أن الحماس العراقي لجولة جنيف لا ينفصل عن مسار المفاوضات السابقة التي استضافتها مسقط، والتي أسست، ولو شكلياً، لمسار خفض التوتر. فبغداد تنظر إلى نجاح هذه المفاوضات بوصفه "طوق نجاة" حقيقياً، لأن فشلها يعني تلقائياً عودة العراق إلى موقع الساحة المفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.

أما ملف نقل سجناء تنظيم داعش، فيحمل، بحسب مصادر أمنية، دلالات أبعد من كونه إجراءً قانونياً. فقبول بغداد باستلام هؤلاء السجناء يُفهم كجزء من مقايضة غير معلنة، تقدم فيها العراق خدمات أمنية للتحالف الدولي، مقابل ضمانات بعدم الزج به في أي مواجهة عسكرية مقبلة بين طهران وواشنطن أو تل أبيب.

المصدر: كواليس + نينا