القائمة
03:28 12 شباط 2026

من يحكم العراق فعلاً؟ صراع المالكي–ترمب يشعل معركة رئاسة الحكومة

عربية وإقليمية

يتحرّك المشهد العراقي على إيقاع ضغوط متقاطعة، تتداخل فيها حسابات الداخل الشيعي مع اشتراطات واشنطن وحسابات طهران، في لحظة سياسية تُعدّ من الأكثر حساسية منذ عام 2003. فاللقاء الذي جمع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، لا يُقرأ في الأوساط السياسية بوصفه اجتماعاً اعتيادياً لبحث "عقدة انتخاب رئيس الجمهورية"، بل كمحطة مفصلية في صراع أوسع عنوانه: من يحسم شكل السلطة التنفيذية المقبلة؟

 

في هذا السياق، يرى مراقبون أن الحديث عن تعطّل انتخاب الرئيس ليس سوى واجهة دستورية لأزمة أعمق تتصل باسم رئيس الحكومة المقبل. فالمعادلة الحالية، كما تصفها مصادر سياسية مطّلعة، لم تعد محكومة فقط بتوازنات البرلمان، بل أيضاً بـ"فيتو" خارجي غير معلن يفرض نفسه على طاولة التفاوض.

وتفيد تقديرات دبلوماسية بأن ترشيح نوري المالكي من داخل "الإطار التنسيقي"، استناداً إلى نتائج انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، اصطدم بتحفّظ أميركي واضح. وبحسب مصادر قريبة من دوائر القرار في بغداد، فإن رسائل غير مباشرة وصلت إلى أطراف عراقية تفيد بأن أي حكومة تُفسَّر على أنها إعادة تموضع كامل ضمن المحور الإيراني قد تواجه ضغوطاً مالية واقتصادية قاسية.

وتشير هذه المصادر إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعتمد مقاربة تقوم على استخدام أدوات التأثير المالي من ملف الدولار والتحويلات إلى التعاون الأمني كوسيلة ضغط لمنع ما تعتبره "انزلاقاً كاملاً" للعراق نحو طهران، ما يجعل تحرّك السوداني أقرب إلى محاولة لشراء الوقت والبحث عن صيغة لا تُفجّر العلاقة مع واشنطن ولا تُغضب الحليف الإيراني.

في المقابل، ترى أوساط متابعة للملف الإيراني–العراقي أن الإصرار على المالكي يتجاوز البعد الشخصي، ليعكس رغبة طهران في تثبيت معادلة مفادها أن القرار السياسي في بغداد لا يمكن أن يتجاوزها.

وتلفت تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث إقليمية إلى أن العراق يشكّل ورقة تفاوض غير مباشرة في أي مسار حوار بين إيران والولايات المتحدة، سواء في مسقط أو غيرها. غير أن هذا التكتيك، وفق خبراء عراقيين، يصطدم بحسابات اقتصادية معقدة، إذ لا يزال العراق يعتمد بشكل كبير على النظام المالي المرتبط بالولايات المتحدة، وأي توتر حاد قد ينعكس سريعاً على سعر الصرف والاستقرار المالي، ما يضع الطبقة السياسية أمام اختبار الشارع مجدداً.

دستورياً، يتطلب المسار انتخاب رئيس الجمهورية أولاً ليقوم بتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، لكن مصادر برلمانية تشير إلى أن بعض القوى داخل "الإطار التنسيقي" تفضّل حسم اسم رئيس الوزراء قبل تمرير رئيس الجمهورية، خشية فقدان ورقة الضغط بعد انتخابه.

ويُستخدم الخلاف الكردي–الكردي حول مرشح الرئاسة، بحسب مراقبين، كعامل تأجيل يمنح القوى الشيعية مزيداً من الوقت لترتيب البيت الداخلي، من دون أن يحلّ المعضلة الأساسية المرتبطة بكيفية التوفيق بين ميزان القوى النيابي ومحددات القبول الدولي.

أمام هذا التعقيد، تتراوح السيناريوهات بين المضي بترشيح المالكي رغم التحفظات الأميركية، بما قد يفتح الباب أمام توتر مالي ودبلوماسي واسع، أو الذهاب إلى تسوية تقوم على اختيار شخصية توافقية من داخل "الإطار" تحظى بقبول نسبي داخلي وخارجي مع بقاء المالكي لاعباً مؤثراً خلف الكواليس، أو إعادة تموضع تُفضي إلى تمديد ضمني أو إعادة تكليف السوداني نفسه كحل وسط يجنّب الجميع خسارة مباشرة.

لا يبدو لقاء السوداني والمالكي منفصلاً عن هذه الحسابات المعقدة، بل يشكّل، وفق مصادر سياسية، مناسبة لجسّ نبض التنازلات الممكنة قبل أن تتحول أزمة تشكيل الحكومة إلى أزمة أعمق تمسّ توازن النظام السياسي برمّته، في لحظة يقف فيها العراق بين خيار تسوية دقيقة أو مواجهة قد تعيد خلط أوراقه من جديد.

المصدر: كواليس