في توقيت يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، استقبل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، اليوم الأربعاء، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي حط رحاله في الدوحة قادماً من مسقط. زيارة "رجل خامنئي القوي" تأتي بينما تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث يرسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملامح "الشرق الأوسط الجديد".
اختيار لاريجاني تحديداً يحمل دلالة تتجاوز الشكل الدبلوماسي. الرجل ليس وزير خارجية عابر، بل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وأحد العقول الأمنية الصلبة داخل النظام. إرساله إلى مسقط ثم الدوحة يعني أن طهران انتقلت من “إدارة الملف عبر القنوات التقنية” إلى “إدارة الأزمة على مستوى القرار السيادي”.
وهاحمت طهران في حزيران/يونيو 2024 بعدداً من الصواريخ الباليستية قاعدة "العديد" الجوية في الأراضي القطرية، وذلك رداً على قصف الولايات المتحدة للمفاعلات النووية الإيرانية، فيما أعلنت وزارة الدفاع القطرية حينها أن دفاعاتها الجوية اعترضت تلك الصواريخ بنجاح.
تقديرات دبلوماسية تشير إلى احتمالين متوازيين: أن طهران باتت أكثر جدية في اختبار مسار تفاوضي جديد، بعد إدراكها أن المزاج الأميركي في ظل إدارة ترامب لم يعد يحتمل سياسة كسب الوقت. الثاني، أن الجولة تهدف إلى تحييد الجوار الخليجي عن أي ردّ إيراني محتمل، عبر رسائل طمأنة مفادها أن أي تصعيد قادم سيكون محصوراً بالقواعد الأميركية، لا بالعواصم الخليجية نفسها. في الحالتين، نحن أمام اعتراف ضمني بأن شبح المواجهة بات أقرب من أي وقت مضى.
في المقابل، يتحرك نتنياهو على قاعدة مختلفة. الرجل لا يخفي تشدده حيال البرنامج النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية، ويؤكد في تصريحاته أن بحوزته معلومات استخباراتية “حاسمة” حول تقدم طهران في مسارات حساسة.
لقاؤه مع الإدارة الأمريكية والوفد المفاوض لا يُقرأ كتنسيق تقليدي، بل كمحاولة لانتزاع ضوء أخضر لمرحلة أكثر صرامة: إما اتفاق شامل يطال النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، أو عمل عسكري يعيد ضبط قواعد اللعبة.
هنا تبدو زيارة لاريجاني كأنها محاولة لقطع الطريق على “السيناريو الإسرائيلي”، عبر تقديم صيغة تفاوضية استباقية تمنع تحويل المعطيات الاستخباراتية إلى قرار عسكري.
يذكر أن في حزيران/يونيو 2024، استهدفت الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية رئيسية فيما يعرف باسم “حرب الـ12 يوماً”. تلك المواجهة كشفت هشاشة التوازنات؛ إذ أدى ردّ إيراني انطلق من محيط جغرافي حساس إلى توتر إقليمي كاد ينفجر، قبل أن تسعى طهران إلى احتواء الموقف عبر قنوات خلفية.
اليوم، تعود تلك الذاكرة لتثقل حسابات الجميع. طهران تدرك أن أي خطأ تقدير قد يفتح الباب أمام ضربة أوسع، وواشنطن تدرك أن الضغط الأقصى قد يدفع النظام إلى خيارات غير محسوبة. لكن الأخطر في معادلة الضغط ليس الخارج فقط، بل الداخل الإيراني.
فالنظام يواجه موجات احتجاج متكررة، رافقتها عمليات قمع واعتقالات واسعة طالت ناشطين وشخصيات إصلاحية. هذا الملف بات جزءاً من الشروط الأميركية؛ إذ تشير تسريبات سياسية إلى أن إدارة ترامب تضع ملف حقوق الإنسان وسلوك الأجهزة الأمنية على طاولة أي تفاوض.
الرئيس الأميركي كان قد لوّح صراحة بأن استمرار القمع قد يفتح الباب أمام خيارات أكثر صرامة، بما فيها تحركات عسكرية “لحماية الاستقرار الإقليمي”، وفق تعبيراته.
بهذا المعنى، لا يفاوض لاريجاني فقط على تخصيب اليورانيوم أو نسب الصواريخ، بل يفاوض أيضاً على صورة نظام يتعرض لضغط داخلي غير مسبوق.
على مستوى الإقليم، تبدو أوراق طهران أضعف مما كانت عليه قبل سنوات. التحولات في سوريا، الضغوط المتصاعدة على حلفائها، وتغير موازين الردع في أكثر من ساحة، كلها عوامل تقلص هامش المناورة.
في المقابل، تستثمر واشنطن وتل أبيب هذه اللحظة باعتبارها “نافذة تاريخية” لإعادة تعريف الدور الإيراني، إما عبر صفقة كبرى تقيد طموحاته الاستراتيجية، أو عبر مواجهة تعيد رسم حدوده بالقوة.
زيارات لاريجاني ليست حركة عابرة، بل مؤشر على إدراك طهران أن ساعة الحسم تقترب. هي محاولة لجسّ نبض العواصم الخليجية، وفتح قناة تنفس قبل أن تُحسم الخيارات في واشنطن.
السؤال المركزي لم يعد: هل ستتفاوض إيران؟ بل: على ماذا ستتخلى لتبقى؟
بين “خرائط نتنياهو” و”رسائل لاريجاني”، تقف طهران اليوم بين فكي كماشة حقيقية: ضغط خارجي يتصاعد، وداخل يغلي، ونافذة تفاوض تضيق. وأي خطأ في الحساب قد يحوّل هذه الرقصة الدبلوماسية الأخيرة إلى مقدمة لمشهد أكثر صخباً في سماء المنطقة.
المصدر: كواليس + وكالات