القائمة
12:24 10 شباط 2026

هدنة تحت الاستنزاف: كيف تقوّض إسرائيل اتفاق وقف النار بنيران “منخفضة الكثافة” في غزة

عربية وإقليمية

لا يمكن التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة بوصفها حوادث ميدانية منفصلة أو “أخطاء اشتباك”، بل تبدو، وفق قراءة تفصيلية لمسار الأحداث، جزءاً من استراتيجية مدروسة تهدف إلى تفريغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه، وتحويله إلى مظلة شكلية تتيح للاحتلال إدارة الحرب بأساليب أقل كلفة سياسياً وأكثر فتكاً على الأرض.

القصف على غزة

فاستهداف شارع صلاح الدين وسط القطاع، صباح اليوم الثلاثاء، بالتوازي مع القصف المدفعي شمالاً وشرقاً وعمليات النسف جنوباً، يعكس نمطاً عملياتياً متكرراً يقوم على توزيع الضغط الجغرافي ومنع تشكل أي شعور بالاستقرار. هذا النمط، بحسب خبراء عسكريين، هو تعريف كلاسيكي لما يُعرف بـ“الحرب منخفضة الكثافة”، إذ تُستبدل المواجهة الشاملة بسلسلة ضربات موضعية متفرقة تُبقي الخصم في حالة إنهاك دائم، وتمنع عودة الحياة الطبيعية، من دون الوصول إلى عتبة الحرب المفتوحة.

الأخطر في هذا السياق أن هذه السياسة لا تستهدف الفصائل المسلحة فقط، بل تضرب عمق البيئة المدنية. فعمليات نسف المنازل شرق خان يونس وبني سهيلة لا تحمل قيمة عسكرية مباشرة، بقدر ما تؤدي وظيفة استراتيجية بعيدة المدى، تتمثل في فرض وقائع عمرانية وديمغرافية جديدة. فكل حي يُسوّى بالأرض، وكل منطقة تُفرغ من سكانها، تتحول عملياً إلى “منطقة عازلة قسرية”، تُبنى بالنار لا بالخرائط، وتُغلق الباب أمام أي عودة مستقرة للنازحين، حتى لو صمد الاتفاق على الورق.

ومن هنا، يرى محللون أن إسرائيل لا تنتهك الاتفاق صدفة، بل تعيد تفسيره أحادياً. فبدلاً من وقف النار الشامل الذي نص عليه الاتفاق، تعتمد تل أبيب مقاربة “النار المنضبطة”، التي تسمح لها بالحفاظ على زمام المبادرة العسكرية، واختبار صبر الوسطاء، وقياس حدود رد الفعل الفلسطيني والدولي في آن واحد. إنها سياسة تقوم على السؤال التالي: كم خرقاً يمكن ارتكابه قبل أن ينهار الاتفاق فعلياً؟

في البعد الإنساني، تبدو هذه الانتهاكات أكثر فتكاً. فكل قصف جديد يضيف ضحايا إلى منظومة صحية تعيش انهياراً شبه كامل. المستشفيات، التي بالكاد تعمل، لم تعد قادرة على استيعاب الإصابات المتكررة، فيما يتحول كل جريح إلى أزمة مركبة: نقص أدوية، غياب كهرباء، وشح في الكوادر. ويذهب خبراء إنسانيون إلى أن الاحتلال يتعمد إبقاء القطاع في حالة “انهيار مُدار”، لا يسمح له بالتعافي، ولا يتركه ينهار دفعة واحدة، بما يبقي الضغط على المجتمع الفلسطيني مستمراً كأداة ابتزاز غير معلنة.

اتفاق وقف اطلاق النار غزة 2025

سياسياً، تشكل هذه الوقائع تهديداً مباشراً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه برعاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وبدعم ما عُرف بـ“مجلس السلام” التابع لإدارته. فالاتفاق، الذي رُوّج له بوصفه مدخلاً لخفض التصعيد وتثبيت الاستقرار، يُستنزف اليوم عبر خروقات متراكمة تُفرغه من روحه، وتحوّله إلى إطار هش غير قابل للاستدامة كما وتستعد إندونيستا لإرسال قوة دولية إلى غزة.

وتشير المعطيات الحقوقية إلى حجم هذا الاستنزاف. إذ يذكر أنه منذ إعلان وقف إطلاق النار ودخوله حيّز التنفيذ بين غزة وإسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وثّقت منظمات حقوق الإنسان أكثر من 1600 خرق إسرائيلي، شملت قصفاً مدفعياً، غارات جوية، واستهدافاً مباشراً للمنازل ومخيمات وتجمعات النازحين الفلسطينيين في مختلف مناطق القطاع. وأسفرت هذه الخروقات عن مقتل ما يزيد على 570 فلسطينياً، وإصابة العشرات، في وقت كانت فيه المنظومة الصحية على شفير الانهيار الكامل.

هذه الأرقام، وفق باحثين قانونيين، لا تعكس فقط انتهاكاً تقنياً للاتفاق، بل تقويضاً ممنهجاً له، يضع الضامنين الدوليين أمام اختبار حقيقي لمصداقيتهم. فاستمرار الخروقات بهذا الحجم، من دون آلية ردع أو مساءلة، يعني عملياً منح إسرائيل ضوءاً أخضر لإدارة الصراع وفق إيقاعها الخاص، لا وفق التزاماتها المعلنة.

من هنا لا يبدو أن ما يجري في غزة هو مجرد “هدنة متعثرة”، بل أقرب إلى هدنة تُستنزف عمداً حتى تفقد معناها. إسرائيل تتعامل مع وقف إطلاق النار كفاصل تكتيكي، لا كالتزام استراتيجي، فيما يدفع الفلسطينيون ثمن هذا التعليق بين الحرب والسلم، دماً ودماراً وانتظاراً مفتوحاً.

المصدر: كواليس