قبل فجر اليوم الثلاثاء بقليل، فتحت بوابة معبر رفح على مشهد بدا أكبر من أرقامه. أربعون فلسطينياً فقط، بينهم نساء وأطفال ومرضى، عبروا نحو قطاع غزة بعد انتظار طويل، وكأنهم يخرجون من نفق ضيق إلى هواء يعرفونه جيداً، رغم أنه مثقل برائحة الركام والغياب. لم تكن عودتهم احتفالاً، بل عبوراً حذراً، مشوباً بالخوف والأسئلة، في رحلة تشبه النجاة أكثر مما تشبه العودة.
ما إن وصلت الحافلات إلى خان يونس، حتى نُقل العائدون مباشرة إلى مستشفى ناصر، جنوب قطاع غزة. بعضهم كان يحمل ملفاً طبياً، وآخرون يحملون ذاكرة حرب لم تبرأ بعد. في العيون حكايات عن انتظار، وفي الصمت اعتراف غير معلن بأن الطريق إلى غزة لم يعد ممراً إنسانياً، بل اختباراً أمنياً معقداً، تتحكم به إسرائيل قطرة قطرة.
أربعون شخصًا…رقم صغير لا يوازي حجم الألم المتكدس على بوابات المعبر. فخلف هؤلاء، آلاف الفلسطينيين ما زالوا عالقين بين الحدود والقرارات، ينتظرون دورهم لعبور ما يشبه “الغربال الأمني”. شهادات العائدين تتحدث عن ساعات تحقيق، عن أسئلة لا تنتهي، وعن تفتيش طال الجميع بلا استثناء، كباراً وصغاراً، مرضى وأطفالاً. المعبر، الذي كان يوماً شريان حياة، تحوّل إلى غرفة تحقيق متقدمة، حيث تُختبر الأعصاب قبل الوثائق.
في هذا المشهد، لا تبدو سياسة العبور مجرد إجراء أمني، بل نمطاً متعمداً من “التقطير الإنساني”. إسرائيل تسمح بالعودة، لكن بشروطها، وبالعدد الذي تراه مناسباً، في إعادة تعريف صامتة لمعبر رفح بوصفه أداة ضغط لا بوابة خلاص. فحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، بقيت العودة نفسها رهينة معادلات أمنية، تُفرغ التهدئة من مضمونها الإنساني.
ورغم ذلك، لا شيء بدا أقوى من إصرار الفلسطينيين على العودة. تشير المعطيات إلى أن نحو 80 ألف شخص سجلوا أسماءهم للعودة إلى غزة، رغم الدمار وغياب أبسط مقومات الحياة. هذا الإصرار لا يُقرأ فقط كحنين إلى الأرض، بل كرسالة واضحة: الفلسطيني يختار الخيمة فوق الركام على الغياب القسري، ويحوّل العودة إلى فعل مقاومة هادئ، ينسف عملياً أي حديث عن تهجير “طوعي”.
في السياسة، يُعد هذا الواقع خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، حيث كان فتح المعبر بنداً أساسياً في مرحلته الأولى. لكن التنفيذ بقي منقوصاً، واستخدم الملف الإنساني كورقة تفاوض غير معلنة. فبحسب الهلال الأحمر الفلسطيني، ضمت الدفعة الأخيرة 20 مريضاً فقط ومرافقيهم، في مقابل أكثر من 22 ألف جريح ومريض يحتاجون إلى إجلاء عاجل، ما يجعل الفجوة بين الحاجة والاستجابة فجوة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
التاريخ القريب يضيف طبقة أخرى من المعاناة. فمعبر رفح، الذي كان يُدار قبل الحرب بشكل مشترك دون وجود إسرائيلي مباشر، بات منذ مايو 2024 تحت سيطرة ميدانية إسرائيلية، ثم أُغلق بالكامل، قبل أن يُعاد فتحه مؤخراً بصورة شكلية لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
هكذا، لا تبدو عودة الأربعين مجرد خبر عابر، بل فصل صغير من قصة أكبر. قصة شعب يحاول العودة إلى حياته، فيما تُدار هذه الحياة عبر “فلاتر” أمنية قاسية. بين “الأمن مقابل الغذاء” و”العودة رغم الركام”، يبقى معبر رفح شاهداً صامتاً على اختبار التهدئة، وعلى إنسانية تُقاس اليوم بعدد من يُسمح لهم بالمرور، لا بعدد من ينتظرون خلف البوابة.