القائمة
02:58 09 شباط 2026

خطوات متدرجة تعيد انتظام الرواتب… سوريا تختبر إصلاحها النقدي بأقل كلفة اجتماعية

عربية وإقليمية

بدأت ملامح الانفراج تظهر تدريجياً في ملف صرف الرواتب، مع عودة تدفق السيولة إلى مكاتب البريد في عدد من المحافظات، في مشهد يعكس انتقال الدولة من مرحلة المعالجة التقنية إلى مرحلة الاستقرار التنفيذي، ضمن واحدة من أكثر الملفات حساسية في ظل الإصلاحات النقدية الجارية.

ومع بدء عودة تدفق السيولة عبر مكاتب البريد، تنفّس المتقاعدون الصعداء، غير أن هذه الانفراجة الجزئية فتحت الباب واسعاً أمام أسئلة أعمق تتعلق بقدرة البنية التحتية المالية والإدارية على مواكبة إيقاع التحولات المتسارعة التي يقودها العهد الجديد، في معركة لا تقل تعقيداً عن معركة تثبيت سعر الصرف.

وأعلنت المؤسسة السورية للبريد رسمياً المباشرة بصرف الرواتب في محافظات دمشق وريف دمشق وحلب والقنيطرة وإدلب، على أن تُستكمل باقي المحافظات تباعاً فور وصول الكتل المالية اللازمة. ورغم أن الإعلان حمل في طياته نبرة اعتذار ضمنية عن التأخير، إلا أنه عكس واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في وجود "عنق زجاجة" مالي ولوجستي، لا يمكن فصله عن سياق الإصلاح النقدي الجاري.

أفاد مراقبون في هذا السياق أن التبريرات الرسمية التي قدّمها المدير العام للتأمينات الاجتماعية، حسن خطيب، والمتعلقة بـ"تعديلات تقنية لمواءمة العملة الجديدة"، لا تختصر كامل الصورة. فالتأخير، وفق هذه المصادر، يعكس صراعاً صامتاً لتأمين السيولة النقدية الكافية، في ظل الحاجة إلى ضخ كتلة مالية ضخمة تقدّر بنحو 487 مليار ليرة سورية لتغطية معاشات أكثر من نصف مليون متقاعد. هذا الضغط تزامن مع عملية حذف الأصفار وطرح العملة الجديدة، ما شكّل اختباراً قاسياً لقدرات المصارف وشبكة البريد التي ما تزال تتعافى من سنوات طويلة من التآكل المؤسسي.

وفي ما وراء البعد المالي، يلفت مراقبون إلى أن إدراج محافظة إدلب ضمن قائمة المحافظات التي تُصرف فيها الرواتب مركزياً من دمشق يحمل دلالات سياسية وجغرافية تتجاوز الإطار الإداري البحت. فهذا الإجراء يُقرأ بوصفه خطوة في سياق "إعادة توحيد المؤسسات" خلال المرحلة الانتقالية التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، ورسالة تؤكد عودة الدولة المركزية إلى لعب دورها الخدمي في مناطق كانت خارج السيطرة سابقاً، في ما يصفه محللون بمحاولة "إعادة دمج ناعمة" عبر الاقتصاد والخدمات بدلاً من الأدوات الخشنة.

اقتصادياً، يُعد الارتباك في صرف الرواتب أحد الارتدادات المباشرة لمخاض الإصلاح النقدي الجريء، ولا سيما قرار حذف صفرين من العملة. أشار خبراء اقتصاديون إلى أن النظام المصرفي يواجه تحدياً معقداً يتمثل في "المواءمة الرقمية"، إذ أدت التعديلات البرمجية في المصرف التجاري وشبكات الدفع إلى إبطاء حركة الحوالات التي تُغذي مكاتب البريد بالسيولة اللازمة، ما انعكس مباشرة على انتظام الصرف.

ورغم ذلك، يرى متابعون أن بعض الإجراءات الجديدة خففت نسبياً من معاناة المتقاعدين، إذ أسهم رفع سقف السحب إلى 40 ألف ليرة بالعملة الجديدة في تمكين المستفيدين من سحب مستحقاتهم دفعة واحدة، بدلاً من الدوران في حلقة الطوابير والسحوبات المجزأة. شهادات مواطنين عكست ارتياحاً حذراً، امتزج بقلق من تكرار سيناريو التأخير في الأشهر المقبلة.

يذكر أن الرئيس أحمد الشرع أصدر في حزيران 2025 المرسومين رقم 102 و103 القاضيين بزيادة الرواتب، في محاولة لتحصين الجبهة الاجتماعية في لحظة شديدة الهشاشة. غير أن مراقبين يرون أن الزيادات، مهما بلغت أهميتها السياسية، تبقى بلا أثر فعلي ما لم تُترجم انتظاماً في الصرف وقوة شرائية حقيقية للعملة الجديدة.

في هذا السياق، تكشف أزمة تأخير الرواتب عن هشاشة البنية التقنية والمالية التي ورثها العهد الانتقالي، وتضع وعود "الاستقرار المؤسساتي" أمام اختبار عملي قاسٍ. فبينما تحاول الحكومة "تصفير المشاكل" عبر حذف الأصفار من العملة، يبقى التحدي الحقيقي في قدرتها على تأمين السيولة في الوقت المناسب، باعتبارها معيار الشرعية الأهم في نظر شريحة المتقاعدين التي لا تملك ترف انتظار التجارب الاقتصادية، لأن قوت يومها هو الخط الأحمر الأخير.

المصدر: كواليس-سانا