يشهد "حزب الله" مرحلة تحوّل داخلي عميق تتجاوز إعادة توزيع المواقع إلى إعادة تعريف طريقة إدارة القرار نفسه. فالحزب الذي اعتمد لسنوات على مزيج من القيادة الدينية والأمنية، ينتقل تدريجياً إلى نموذج أكثر مركزية، يُمسك فيه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم مباشرة بمفاصل القرار، في محاولة لإنهاء حقبة التداخل بين الأمن والسياسة، وإعادة الاعتبار للبنية المؤسسية.
تغييرات حزب الله
وتكشف المعطيات الميدانية، أن الشيخ قاسم بدأ فعلياً بإنهاء حقبة "اللامركزية" التي كانت تتيح للهيئة التنفيذية ووحدات الارتباط العمل كـ"حكومات مصغرة" موازية للأمانة العامة. الاستراتيجية الجديدة تقوم على ربط كافة المفاصل الحزبية مباشرة بـ"رأس الهرم"، لضمان وحدة القرار ومنع تضخم أي جهاز أمني ليصبح أقوى من التنظيم السياسي.
التقديرات حول التعيينات الجديدة يشي بتحول دراماتيكي في "هوية القيادة". فبعد عقود من هيمنة "العمائم" و"القيادات العسكرية" على المشهد، يبرز اليوم تيار "حزبي جديد". وتشير المعطيات إلى توجه واضح لتصعيد رئيس الكتلة النيابية محمد رعد ليكون الرجل الثاني نائب الأمين العام، وتسليم الوزير السابق محمد فنيش مفاتيح "المجلس التنفيذي" لإعادة ترتيب البيت الإداري. هذا الصعود اللافت لجيل "رفاق حزب الدعوة" والسياسيين، يُقرأ استراتيجياً كمحاولة لتقديم "واجهة مدنية" للحزب، قادرة على مخاطبة الدولة والمجتمع الدولي بلغة المصالح لا لغة الميدان.
جاء قرار تحجيم "وحدة الارتباط والتنسيق" التي كانت تمثل "الصندوق الأسود" للحزب. وبحسب مصادر مطلعة، صدرت توجيهات صارمة بتجريد هذه الوحدة من صلاحياتها "السياسية والتفاوضية" التي اكتسبتها عبر السنوات، وإعادتها إلى حجمها الطبيعي كلجنة تنسيق "أمني وتقني" بحت مع الأجهزة الرسمية. ولعل أبرز مؤشرات هذا التفكيك هو شطر المسؤوليات؛ حيث تشير المعطيات إلى تكليف حسين العبد الله (مسؤول أمني سابق بالجنوب) بالشق الأمني التقني، بينما أُسندت مهام التواصل السياسي والخارجي إلى شخصيات سياسية أخرى مثل أحمد مهنا والقيادة السياسية، لسحب بساط "التفاوض" من يد الأمنيين.
اغتيال نصر الله
الجدير بالذكر، أن هذه "النفضة الشاملة" تأتي استجابةً لضغطين: الأول داخلي، ناتج عن الفراغ الهائل الذي خلفه اغتيال نصر الله وصفي الدين وقيادات الصف الأول، مما استوجب إعادة بناء الثقة عبر وجوه جديدة-قديمة. والثاني خارجي، يتعلق بمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية وضغوط فصل المسارات؛ حيث يسعى الحزب للظهور بمظهر الكيان السياسي المنضبط تحت سقف الدولة، عبر إبعاد الشخصيات المدرجة على لوائح العقوبات عن الواجهة، وحصر الظهور الإعلامي والسياسي بشخصيات "برلمانية" و"وزارية" مقبولة نسبياً.
ويؤكد مراقبون أن "حزب الله" يسعى لخلع بزته العسكرية في الغرف القيادية ليرتدي "ربطة العنق" السياسية. إن إبعاد القيادات الأمنية عن دائرة الضوء وصنع القرار السياسي هو تكتيك بقاء، يهدف إلى حماية التنظيم من العواصف القادمة، والقول للداخل والخارج إن "حزب ما بعد الحرب" هو حزب مؤسسات، لا حزب أفراد أو أجهزة أمنية غامضة.
المصدر: وكالات-كواليس