القائمة
10:34 07 شباط 2026

سلام من الجنوب: إعادة الإعمار عهد ووجودنا هنا رسالة مواجهة

لبنان

 لم تكن سيارة رئيس الحكومة نواف سلام، التي توقفت صباح اليوم في ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صور، مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولة رسمية، بل خطوة محسوبة في لحظة جنوبية مشبعة بالتصعيد والقلق، تُقرأ كإعادة تثبيت لحضور الدولة في واحدة من أكثر ساحات لبنان حساسية سيادياً وأمنياً.

سلام، الذي وصل برفقة وفد وزاري وإداري يغلب عليه الطابع التكنوقراطي، وجّه من الجنوب رسالة سياسية مباشرة، مؤكداً أن "البلدات الحدودية ما زالت تتعرض لاعتداءات يومية، وهذا اعتداء على كرامتنا، وزيارتنا اليوم تؤكد أن وجود الدولة بحد ذاته رسالة في مواجهة هذا الواقع الذي نعمل على تغييره".

وأضاف من صور: "إعادة الإعمار عهد لنا، ونؤكد أن هذا الالتزام ليس ظرفياً بل مستمر، وحق أهل الجنوب بالبيت والأرض والعيش الكريم هو حق وطني لا يجوز التفريط به".

تأتي الجولة في سياق سياسي أوسع، إذ إن سلام كان قد تعهّد، عند تشكيل حكومته في كانون الثاني/ يناير الماضي، بجعل إعادة إعمار الجنوب أولوية وطنية، لا بنداً تفاوضياً أو ملفاً مؤجلاً. اختيار صور كنقطة انطلاق، ثم الانتقال إلى الناقورة وقرى المواجهة المباشرة، يعكس محاولة لتحويل السيادة من خطاب إلى ممارسة، ومن حضور رمزي إلى التزام ميداني.

الرسالة الداخلية واضحة: الدولة لن تترك مواطنيها رهائن الجغرافيا أو الحسابات العسكرية. أما الرسالة الخارجية، فتستهدف المجتمع الدولي، ومفادها أن المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، قادرة على لعب الدور المحوري في إدارة الجنوب وحمايته، إذا ما توافر الغطاء السياسي والدعم الدولي اللازم.

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن الخلفية الثقيلة التي يعيشها الجنوب. فقد تعرضت المنطقة لحرب امتدت نحو عام، قادها حزب الله تحت عنوان "إسناد قطاع غزة"، وأسفرت، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن 4047 شهيداً و16638 جريحاً، إضافة إلى دمار واسع طال عشرات آلاف المنازل والبنى التحتية. انتهت تلك المواجهة بوقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لكن آثارها الاجتماعية والاقتصادية لا تزال حاضرة بقوة.

في هذا السياق، يبرز عامل إضافي ضاغط، يتمثل في عجز حزب الله، بسبب أزماته المالية والعقوبات المفروضة عليه، عن تعويض المتضررين كما جرت العادة بعد حروب سابقة. هذا الواقع ترك فجوة اجتماعية كبيرة، ورفع منسوب التوقعات تجاه الدولة، بوصفها الجهة الوحيدة القادرة على إطلاق مسار منظم لإعادة الإعمار.

في مقاربته لملف السلاح، يحرص سلام على فصل النقاش عن معادلة "الاحتلال الإسرائيلي"، وإعادته إلى مرجعيته الدستورية. فهو يرى أن مسألة سلاح حزب الله لا تُعالج من زاوية الصراع مع إسرائيل فقط، بل من زاوية العودة إلى اتفاق الطائف، الذي نصّ صراحة على حل جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

هذه المقاربة، وإن بدت هادئة في خطابها، تحمل في طياتها تحوّلاً سياسياً عميقاً، إذ تضع ملف السلاح ضمن مسار بناء الدولة، لا ضمن توازنات الردع الإقليمي، وهو ما يفسر حساسية التوقيت ودقة الرسائل التي حملتها الجولة الجنوبية.

بين تفقد الدمار وإطلاق التعهدات، يحاول سلام تثبيت معادلة جديدة: الإعمار ليس بديلاً عن السيادة، بل ترجمتها العملية. الجنوب، الذي دفع كلفة الحرب بشرياً وعمرانياً، يتحول اليوم إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء الثقة.

المصدر: كواليس