في مؤشر خطير ينقل المواجهة من تبادل النيران إلى حرب العقول والقلوب، دشن الجيش الإسرائيلي فصلاً جديداً من الحرب النفسية عبر إلقاء مناشير تحذيرية فوق قرى الجنوب اللبناني. هذه الخطوة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تهدف إلى ضرب "العمق الاجتماعي" لحزب الله وتفكيك حاضنته الشعبية من خلال "الترهيب والتجنيد"، ضمن ما يُعرف بعقيدة "جز العشب" الاستخباراتية.
المناشير لم تكن مجرد تحذيرات روتينية، بل تضمنت رسائل أمنية وسياسية تحث السكان على الإبلاغ عن أنشطة الحزب، مستغلة الخوف لتحويل المدنيين إلى "عيون" داخل المجتمع، وهو ما يفسر القلق والاستياء بين الأهالي الذين شعروا بمحاولة زرع بذور الشك والفتنة الداخلية. المراقبون يشيرون إلى أن هذه الخطوة تأتي في توقيت نفاد بنك الأهداف الإسرائيلي التقليدي، ورغبة في خلق ضغط شعبي داخلي على الحزب، أو تمهيداً لعمليات اغتيال دقيقة بناءً على معلومات محلية محتملة.
لا يمكن عزل ما يجري في الجنوب عن المشهد السوري الملتهب. مناطق سيطرة "قسد" شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة واضطرابات أمنية غير مسبوقة، وسط ضغوط عشائرية وهجمات متكررة تستنزف القوات، التي تجد نفسها بين مطرقة التهديدات التركية وسندان العشائر العربية، مع نشاط متجدد لخلايا "داعش". تشتت الانتباه الأمني وانشغال الحلفاء في ملفاتهم الخاصة جعل سوريا، خصوصاً مناطق نفوذ "قسد"، خاصرة رخوة للتصفية الدولية، على غرار الجنوب اللبناني الذي يُراد له أن يكون "منطقة عازلة" بالنار أو السياسة.
الجدير ذكره أن أسلوب إلقاء المناشير ليس جديداً، إذ استُخدم خلال اجتياح عام 1982 وحرب تموز 2006، لكن استخدامه اليوم في سياق حرب استنزاف طويلة الأمد يعني أن الهدف ليس اجتياح شامل، بل "الكي بالوعي" واستنزاف الخصم معنوياً بالتوازي مع الاستنزاف العسكري.
يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة "كسر العظم" الاستراتيجي. المناشير تستهدف عزل حزب الله عن بيئته، بينما تشتعل الجبهات في مناطق "قسد" السورية، ما يشير إلى خريطة جديدة يسعى فيها كل طرف لتحسين شروطه التفاوضية بالنار، وسط مخاوف من دفع المدنيين في الجنوب السوري ولبنان الثمن الأكبر لهذه الصراعات الجيوسياسية المعقدة.
المصدر: وكالات