القائمة
07:16 31 كانون الثاني 2026

طهران بين الصواريخ والملاجئ: استعداد للحرب أم عدٌّ تنازلي للصفر؟

عربية وإقليمية

في مشهد يختصر ازدواجية العقيدة العسكرية الإيرانية بين الهجوم والتحصّن، أطلقت طهران، اليوم السبت، إشارتين متزامنتين تحملان دلالات ثقيلة. الأولى عسكرية صِرفة عبر مناورات باليستية للحرس الثوري، والثانية مدنية وقائية عبر تحويل أعماق العاصمة إلى شبكة ملاجئ واسعة.

 

هذا التوازي بين استعراض القوة والتحسّب للأسوأ لا يبدو إجراءً روتينياً، بل مؤشراً على أن صناع القرار في إيران يتعاملون مع احتمال انتقال الصراع مع إسرائيل من حرب الظل إلى مواجهة مباشرة تطال قلب طهران.

 

الحرس الثوري أعلن عن مناورات صاروخية في أكثر من منطقة، في رسالة واضحة تهدف إلى تثبيت معادلة الردع وإظهار الجاهزية للرد على أي ضربة محتملة. غير أن الرسالة الأكثر إثارة للقلق جاءت من الجبهة الداخلية، حيث كشفت السلطات عن خطة طوارئ تقوم على استخدام محطات المترو ومواقف السيارات العميقة كملاجئ جماعية، قادرة على استيعاب ملايين المدنيين وتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة والطاقة لفترات طويلة.

 

الانتقال من خطاب الردع إلى خطاب الإيواء يحمل دلالة استخباراتية بالغة. فوفق تقديرات متداولة في الأوساط الأمنية، فإن رفع مستوى التحصين المدني يعني أن سيناريو تعرض العاصمة لضربات جوية بات مطروحاً بجدية عالية، سواء من إسرائيل أو بدعم أميركي. هذا الاستعداد لا يُفهم إلا في سياق توقع انقطاع خدمات أساسية واحتمال تدمير واسع داخل المدن، ما يستدعي تجهيز المجتمع لتحمل صدمة المواجهة.

 

توقيت هذه الخطوات يعكس محاولة إيرانية لإدارة توازن دقيق. داخلياً، تسعى القيادة إلى طمأنة الشارع القلق بأن الدولة جاهزة لحماية مواطنيها في حال اندلاع الحرب. وخارجياً، توجه رسالة مفادها أن طهران قادرة على امتصاص الضربة الأولى ثم الرد بقوة، بما يعيد تثبيت معادلة الردع ويكبح شهية الخصوم للمغامرة.

 

وتكتسب هذه التحضيرات وزناً إضافياً عند وضعها في سياق التصعيد الإقليمي المتسارع. فالتلويحات الإسرائيلية الأخيرة باستهداف ما تسميه رأس القرار في طهران، بما يشمل منشآت حيوية ومراكز قيادة داخل المدن، رفعت مستوى التهديد إلى سقوف غير مسبوقة. كما أن الذاكرة الإيرانية لا تزال مثقلة بتجربة حرب المدن في الثمانينيات، ما يجعل أي استعداد مدني واسع النطاق إشارة إلى أن القيادة الحالية ترى في التهديدات الراهنة خطراً وجودياً لا مجرد حرب نفسية.

 

اختيار محطات المترو كملاجئ ليس تفصيلاً تقنياً، بل خيار استراتيجي. فهذه المنشآت العميقة تحت الأرض تُعد من أصعب الأهداف اختراقاً، وتعكس قناعة بأن أي مواجهة مقبلة قد تستهدف البنية التحتية للطاقة ومفاصل الحكم داخل العاصمة، لا الأطراف فحسب.

 

إذ أن الإعلان عن جاهزية لإيواء ملايين المدنيين هو اعتراف ضمني بحجم الكارثة المحتملة. طهران، وهي تستعرض صواريخها في العلن، تفتح في الوقت نفسه أبواب الملاجئ تحت الأرض. بين الرسالتين، يبدو أن المنطقة تقترب من لحظة مفصلية، حيث لم يعد السؤال يدور حول طبيعة المواجهة، بل حول توقيتها وحدودها.

المصدر: تسنيم