تتواصل وتيرة التصعيد جنوب لبنان على وقع حرب المسيّرات، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، اليوم السبت، عن سقوط شهيد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة رب ثلاثين الحدودية. الغارة، التي نُفذت بواسطة طائرة مسيّرة، تندرج ضمن نمط عملياتي بات ثابتاً، يقوم على استهداف مباشر ودقيق للأفراد، في إطار معادلة استنزاف طويلة الأمد تتجنب الانفجار الشامل لكنها ترفع فاتورة الدم تدريجياً.
ويرى مراقبون عسكريون أن تكثيف استخدام المسيّرات في قرى الحافة الأمامية للجبهة يعكس تحوّلاً واضحاً في التكتيك الإسرائيلي، من القصف الواسع والعشوائي إلى ما يُعرف بـ"القتل الجراحي". هذا الأسلوب يسمح لتل أبيب بتوجيه ضربات منخفضة الضجيج سياسياً، لكنها عالية التأثير ميدانياً، عبر استنزاف العنصر البشري وفرض حالة دائمة من القلق والمراقبة على السكان.
وتشير القراءة الميدانية إلى أن استهداف رب ثلاثين يحمل دلالة جغرافية وأمنية، فالبلدة تقع بمحاذاة الشريط الحدودي وتشرف على مستوطنات إسرائيلية، ما يجعلها ضمن نطاق "المناطق الحساسة" في الحسابات العسكرية الإسرائيلية. ويُقرأ القصف المتكرر لهذه القرى في إطار محاولة فرض واقع أمني جديد، يقوم على تحويلها إلى مساحات شبه خالية من الحركة، بما يشبه إنشاء حزام أمني بالنار داخل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، يُفهم إيقاع الاغتيالات الفردية على أنه وسيلة ضغط مزدوجة، من جهة لإبقاء الجبهة مشتعلة دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، ومن جهة أخرى لرفع كلفة استمرار ما تصفه إسرائيل بـ"جبهة الإسناد"، عبر إنهاك البيئة المحيطة واستنزافها نفسياً وبشرياً.
ويذكر أن بلدة رب ثلاثين كانت قد تعرضت خلال الأشهر الماضية لقصف مدفعي وغارات متكررة، بعضها باستخدام قذائف فوسفورية، إلا أن الانتقال المتزايد إلى المسيّرات الانقضاضية يعكس تطوراً في مستوى الرصد الاستخباراتي ونوعية الأهداف. كما يذكر أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في عمليات الاغتيال الجوية التي استهدفت دراجات نارية ومركبات وأفراداً في الحقول والطرقات الفرعية.
ويأتي ذلك في ظل مشهد ميداني تتآكل فيه قواعد الاشتباك التقليدية، حيث باتت وزارة الصحة اللبنانية تصدر بيانات شبه يومية عن سقوط شهداء في قرى الجنوب، ما يؤكد أن المواجهة دخلت مرحلة حرب استنزاف مفتوحة بضوابط هشة، لا تلوح في أفقها القريب أي تسوية سياسية.
يذكر أن تقارير أممية ودولية وثّقت، منذ أواخر عام 2024، آلاف الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، وكشفت بيانات قوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) عن تجاوز الانتهاكات الإسرائيلية حاجز الـ 10 آلاف خرق، في مؤشر يعكس حجم التصعيد الميداني المستمر.
المصدر: وكالات