في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، يعقد مجلس النواب اللبناني مساء اليوم (الساعة السادسة) الجلسة الثانية لمتابعة مناقشة مشروع موازنة عام 2026، بعد جلسة أولى صباحية شهدت مداخلات حادة من مختلف الكتل، وسط اعتراضات شعبية في الشارع. المشروع الذي أعدّته الحكومة يثير جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب أرقامه وتوجهاته، بل أيضًا لغياب الإصلاحات البنيوية التي لطالما طُرحت كأولوية في سياق التعافي المالي.
موازنة تشغيلية بامتياز
يتّضح من مشروع الموازنة أن الطابع التشغيلي يطغى عليها بشكل كامل، مع غياب شبه تام لأي رؤية استثمارية أو تحفيزية. فالنفقات الاستثمارية لا تتجاوز 12% من إجمالي الإنفاق، في حين أن أكثر من 80% من الإيرادات تأتي من الضرائب والرسوم، ما يعكس اعتمادًا مفرطًا على جيوب المواطنين كمصدر تمويل رئيسي.
الحجم الإجمالي للموازنة يبلغ حوالي 538 ألف مليار ليرة لبنانية، أُعدّت على أساس تقديرات لإيرادات تقليدية دون إدراج واردات استثنائية أو موارد غير مضمونة. وقد رُوّج للموازنة على أنها خالية من ضرائب جديدة، لكن البنود المدروسة تكشف عن زيادات متفرقة تطال معظم المعاملات الرسمية، ما يعني عمليًا أن الكلفة المعيشية سترتفع بشكل غير مباشر.
زيادات ورسوم تثقل كاهل المواطن
من بين البنود التي أثارت نقاشًا واسعًا:
- رفع رسوم الهوية الشخصية بمليون ليرة.
- زيادات ملحوظة على رسوم تسجيل عقود الزواج والطلاق والمعاملات المرتبطة بالأحوال الشخصية.
- زيادة تتراوح بين 30% و50% على رسوم الإقامات وتأشيرات الدخول.
- رفع الغرامات المالية على مخالفات عدة، بعضها تضاعف أكثر من 25 مرة مقارنة بالعام السابق.
- فرض رسم استيراد بنسبة 3% كدفعة مسبقة على ضريبة الدخل.
- إعادة العمل بالطوابع الورقية، ما أعاد التذكير بمخاطر الفساد في هذا المجال.
كل هذه التعديلات تصبّ في خانة زيادة الإيرادات، لكنها تغيب عنها أي إجراءات تعالج مسألة تحسين الخدمات العامة أو دعم الفئات الأكثر تضررًا.
تعديلات اللجنة وملاحظات الخبراء
لجنة المال والموازنة أدخلت تعديلات جوهرية على المشروع الحكومي، أبرزها إعادة توزيع الاعتمادات، تنظيم آليات إنفاق الهبات والقروض، وتقييد فتح الاعتمادات الاستثنائية. كما جرى تفكيك عدد من المشاريع الاستثمارية على سنوات متعددة لتخفيف الضغط على الخزينة.
لكن اقتصاديين حذروا من أن الموازنة لا تزال تتضمن عجزًا مقنّعًا، كونها تستثني بنودًا أساسية كخدمة الدين العام. كما أن غياب قطع الحساب للسنة السابقة يثير مخاوف دستورية ويطرح علامات استفهام حول شفافية الأرقام. الفائض المعلن – إن صح التعبير – يبقى نظريًا ما دام لا يُبنى على بيانات دقيقة وشاملة.
انقسام سياسي حاد داخل البرلمان
سياسيًا، تتباين مواقف الكتل النيابية حيال الموازنة. الكتل المشاركة في الحكومة تعتبر أن إقرارها ضروري لضمان الاستقرار المالي والرواتب. في المقابل، تصعّد كتل المعارضة ونواب التغيير من انتقاداتهم، معتبرين أن المشروع يكرّس النهج القديم ويضيف أعباء على المواطنين دون أي إصلاح فعلي.
البعض يرى في الموازنة مجرد "ترقيع مالي" لا يرتقي إلى مستوى خطة إنقاذ، في حين يطالب آخرون بربط الإقرار بخطوات جدية تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، استرداد أموال المودعين، وفرض ضرائب عادلة على الثروات الكبيرة بدل الاستمرار في استهداف الشرائح الأضعف.
ماذا بعد؟
رغم الانقسامات والاحتجاجات، من المرجح أن تمرّ الموازنة في الجلسات المقبلة بأغلبية الأصوات، في ظل توازنات برلمانية تسمح بذلك. إلا أن التحدي الفعلي يبدأ بعد الإقرار: كيف ستُنفذ؟ وهل سيتبعها مسار إصلاحي فعلي؟ أم سنكون أمام نسخة جديدة من الموازنات السابقة التي لم تؤدِ إلا إلى مزيد من الاستنزاف والانكماش؟
لبنان، الغارق في أزمته، لا يحتاج فقط إلى أرقام متوازنة، بل إلى قرار سياسي جدي ببناء دولة قادرة على إدارة ماليتها بعدالة، وخلق بيئة مشجعة للنمو، وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.