في وقت تكثف فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب جهودها لإعادة رسم خارطة النفوذ في أمريكا اللاتينية، برزت فنزويلا مجدداً كنقطة اختبار حساسة للعلاقة مع واشنطن. فالتقارير المتداولة في الأوساط الاستخباراتية الأمريكية تعكس حالة متصاعدة من القلق حيال المسار الذي تتبعه الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، في ظل ما تصفه واشنطن بـ"الضبابية الاستراتيجية" في قراراتها الخارجية.
وكشفت وسائل إعلام أمريكية أن دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة تراقب عن كثب ما تعتبره تردداً من جانب رودريغيز في اتخاذ خطوات حاسمة لفك الارتباط مع محاور موسكو وبكين وطهران، رغم الضغوط السياسية والدبلوماسية المتزايدة التي تطالب بإخراج المستشارين العسكريين والخبراء الاقتصاديين التابعين لهذه الدول من فنزويلا.
ويرى مراقبون أن واشنطن باتت تنظر إلى هذه السياسة باعتبارها محاولة لكسب الوقت، في مرحلة لم تعد تقبل فيها بما تسميه “الحلول الوسط”، خصوصاً أن إعادة تأهيل فنزويلا دولياً، من وجهة النظر الأمريكية، تمر عبر إعادة تموضع استراتيجي كامل، لا مجرد إشارات انفتاح شكلية.
في المقابل، تبدو رودريغيز حذرة من الذهاب بعيداً في تلبية المطالب الأمريكية، إدراكاً منها لحساسية التوازنات الداخلية. فالتخلي السريع عن الحلفاء التقليديين قد يترك السلطة مكشوفة أمام تحديات أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها في المدى القريب.
يُذكر أن الصين تمثل الدائن الأكبر لفنزويلا، وكانت قد لعبت دوراً محورياً في إبقاء قطاع الطاقة قادراً على العمل خلال سنوات العقوبات، فيما لا يقتصر الحضور الروسي على التعاون السياسي، بل يمتد إلى مجالات أمنية واستخباراتية تعتبر جزءاً من منظومة حماية النظام.
في حين يرى محللون أن أي قطيعة مفاجئة مع هذه الأطراف قد تُدخل البلاد في حالة اختناق اقتصادي وأمني، لا تملك كراكاس رفاهية التعامل معها في ظل أوضاع اجتماعية هشة.
لا يمكن فصل الموقف الحالي عن التجربة القريبة في فنزويلا. يُذكر أن الرئيس السابق نيكولاس مادورو كان قد واجه ضغوطاً أمريكية غير مسبوقة، انتهت بعملية أمنية أفضت إلى توقيفه وزوجته سيليا فلوريس، بعد توجيه لوائح اتهام من وزارة العدل الأمريكية تتعلق بما وُصف بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات".
وكانت تلك القضية قد شكلت سابقة خطيرة في العلاقة بين واشنطن وكراكاس، ورسخت معادلة جديدة مفادها أن الخروج عن الإطار الذي ترسمه الولايات المتحدة قد يقود إلى ملاحقات قضائية عابرة للحدود، تطال رأس السلطة نفسها.
الجدير ذكره أن تلك المرحلة لا تزال حاضرة بقوة في حسابات القيادة الفنزويلية الحالية، التي تخشى أن يتحول الضغط السياسي إلى مسار قانوني مماثل إذا ما فشلت في تحقيق توازن مقبول دولياً.
في هذا الإطار، يرى محللون أن رودريغيز تحاول تفادي سيناريو “الرئيس المطلوب عدلياً” عبر تقديم إشارات انفتاح تدريجية لواشنطن، دون الذهاب إلى قطيعة شاملة مع الحلفاء التقليديين. غير أن هذا المسار يبقى محفوفاً بالمخاطر، إذ إن واشنطن لا تخفي استعدادها لاستخدام أدوات الضغط القضائي والاقتصادي ضمن ما يُعرف بالدبلوماسية القسرية.
في حين تحذر دوائر سياسية في كراكاس من أن طرد المستشارين الروس والإيرانيين قد يفتح الباب أمام ارتدادات داخلية، سواء عبر انقسامات في المؤسسة العسكرية أو تحريك ملفات أمنية حساسة تعود لسنوات سابقة.