في مشهد يعكس التنسيق المباشر بين جناحي السلطة التنفيذية، استضاف قصر بعبدا، اليوم الاثنين، لقاءً وُصف بالاستراتيجي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، خُصص لتقييم نتائج الحراك الدبلوماسي المكثف الذي قاده سلام في دافوس وباريس. اللقاء تجاوز الطابع البروتوكولي، ليشكّل محطة قراءة معمّقة في فرص لبنان لانتزاع شبكة أمان سياسية واقتصادية، في لحظة إقليمية تتداخل فيها الضغوط المالية مع مخاطر الانزلاق الأمني.
تشير مصادر مطلعة إلى أن النقاش ركّز بصورة أساسية على خلاصات اللقاءات مع إدارة صندوق النقد الدولي، ولا سيما المكاشفة التي جرت في دافوس حول شروط إعادة إطلاق برنامج الدعم. ويرى مراقبون أن الحكومة تحاول تسويق مقاربة مختلفة هذه المرة، قوامها ربط التمويل الخارجي بحدٍّ أدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي، يجسده التناغم القائم بين رئاستي الجمهورية والحكومة.
وتكشف المعطيات الدبلوماسية أن هذا الانسجام يُقدَّم للخارج كـ “ضمانة تنفيذ” بعد سنوات من التعطيل، في محاولة لاستعادة ثقة الشركاء الدوليين الذين ربطوا أي دعم مستقبلي بقدرة الدولة على الالتزام بالإصلاحات لا الاكتفاء بالتعهدات.
في موازاة المسار المالي، برز البعد السياسي بقوة في محادثات باريس مع الرئيس إيمانويل ماكرون. فبحسب مصادر متابعة، لم تقتصر اللقاءات على الملف الاقتصادي، بل تناولت موقع لبنان في المشهد الإقليمي، ودور فرنسا في توفير غطاء سياسي يمنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة.
ويُفهم من هذه المقاربة أن بيروت تسعى إلى تثبيت باريس كقناة ضغط أساسية داخل المنظومة الدولية، سواء في ما يتصل بالدعم المالي أو في مواجهة التهديدات الأمنية، بما يعيد إحياء الدور الفرنسي كـ “ضامن توازن” في لحظات الاختناق اللبناني.
ويرى مراقبون أن إطلاع رئيس الجمهورية على نتائج الاتصالات الفرنسية يهدف إلى توحيد الخطاب الرسمي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وتقديم موقف لبناني متماسك يؤكد التزام القرار 1701، مقابل تحميل المجتمع الدولي مسؤولية كبح الانتهاكات التي تقوّض أي مسار إنقاذي محتمل.
يُذكر أن العلاقات بين لبنان ومحيطه الدولي شهدت تراجعاً حاداً خلال سنوات الانهيار، نتيجة تعطّل الإصلاحات وتآكل الثقة بقدرة الدولة على إدارة أزماتها. وقد أدى ذلك إلى انكفاء الدعم الخارجي، وترك لبنان في مواجهة مفتوحة مع أزماته المالية والاجتماعية.
ومنذ عام 2020، قادت فرنسا محاولات متكررة لمنع سقوط الهيكل المؤسساتي اللبناني، ما يجعل التواصل الأخير بين سلام وماكرون امتداداً لمسار طويل هدفه إبقاء لبنان ضمن دائرة الاهتمام الدولي، ومنع تحوّله إلى ساحة انهيار مفتوح في شرق المتوسط.