تحت قبة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، لم يكن تصويت اليوم الخميس، مجرد إجراء روتيني بل أشبه بـ"محاكمة سياسية جماعية" للنظام الإيراني. بـ562 صوتًا، رقم يكاد يلامس الإجماع، أسدل النواب الأوروبيون الستار رسميًا على حقبة "الحوار النقدي" والدبلوماسية الناعمة مع طهران، ليعلنوا بدء مرحلة جديدة من "المواجهة الحقوقية"، التي قد تمهّد لعقوبات اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة.
هذا الإجماع الساحق يحمل رسالة واضحة: أوروبا، التي حاولت طويلاً لعب دور "الشرطي الجيد" في الاتفاق النووي، نفذ صبرها الاستراتيجي، وقررت الاصطفاف الكامل في خندق المواجهة.
رقم 562 ليس مجرد إحصاء؛ بل هو شفرة سياسية، مفادها أن أوروبا لم تعد تفصل بين الملف النووي وملف حقوق الإنسان، بل حولتهما إلى "سلاح جيوسياسي" يُستغل لتهشيم صورة النظام دوليًا. فاللغة المشحونة في القرار، التي تدين القمع الوحشي، تعمل كـ"صك تفويض" للحكومات الأوروبية لاتخاذ إجراءات عقابية منفردة وجماعية، مما يضع طهران في عزلة خانقة، تشبه ذروة العقوبات الأممية السابقة، لكن هذه المرة بلا "ظهير أوروبي" يحميها.
تاريخًا راهنت (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) على الإصلاحيين في طهران، محافظين على شعرة معاوية في العلاقة مع النظام. اليوم، ومع تصويت البرلمان، يبدو هذا الرهان قد مات؛ أوروبا تعلن بوضوح أن طهران لم تعد شريكًا تجاريًا صعب المراس فقط، بل تهديدًا وجوديًا لمنظومة قيمها الديمقراطية. إنها خطوة من "إدارة الخلاف" إلى "شيطنة الخصم" سياسيًا وقانونيًا.
التداعيات الإقليمية لا تقل خطورة عن القرار نفسه. لبنان، على وجه الخصوص، يقف في قلب العاصفة: مع تضييق الخناق على "حزب الله" باعتباره امتدادًا للبنية الأمنية والإيديولوجية للنظام الإيراني، من المتوقع أن تتلاشى التفرقة التقليدية بين جناحه السياسي والعسكري، وتصبح العقوبات الأوروبية أكثر شمولية، مما يزيد الضغط المالي والسياسي على الحزب. كما تفقد الدبلوماسية الفرنسية، التي طالما لعبت دور "الوسيط" في بيروت، هامش المناورة، إذ لم يعد بإمكان باريس إطلاق مبادرات إنقاذية تتطلب توافقًا مع طهران، بل تصبح الحلول الأوروبية مرهونة بتنازلات سياسية صعبة.
الرسالة المبطنة للحكومة اللبنانية واضحة: "الارتباط بالمحور الإيراني بات مكلفًا للغاية في علاقاتكم مع الغرب". الدعم الاقتصادي الأوروبي للبنان قد يصبح مشروطًا بالابتعاد عن الأجندة الإيرانية التي أدانها البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة.