القائمة
03:10 22 كانون الثاني 2026

عقدة ترامب في تل أبيب: خوف من صفقة مع إيران لا من حرب فما تداعياتها على لبنان؟

عربية وإقليمية

في أروقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لم يعد السؤال اليوم "ماذا ستفعل واشنطن؟"، بل تحول إلى كيف يفكر دونالد ترامب؟. حالة من العمى الاستراتيجي تضرب دوائر صنع القرار، حيث يقف الجنرالات عاجزين أمام شيفرة الرئيس الأمريكي العائد، الذي يمارس لعبة شطرنج جيوسياسية تمتد من جليد غرينلاند إلى أدغال كولومبيا، مروراً بركام غزة وسهوب أوكرانيا. وبين هذا التشتت العالمي، يبرز "الكابوس الإيراني" كأكبر مجهول؛ إذ تخشى تل أبيب أن تكون الحشود الأمريكية مجرد ديكور لحركة دبلوماسية تنتهي بصفقة، لا بحرب.

لفهم الهلع الإسرائيلي الحالي، يستحضر كُتاب إسرائيليون الصدمة الاستراتيجية التي أثرت على الوعي العسكري: "عقدة اليمن". ففي مارس/آذار 2025، أطلقت واشنطن عملية "الفارس القوي" لاستعادة هيبة الملاحة في البحر الأحمر. قصفت المعاقل الحوثية واستبشرت إسرائيل بعودة "الشرطي الأمريكي". لكن الصدمة كانت في النهاية الدرامية: بعد شهر ونصف فقط، أبرم ترامب صفقة صامتة مع الحوثيين، لتأمين السفن الأمريكية مقابل وقف القصف، تاركاً إسرائيل وحيدة في مرمى النيران، وغير مدعوة إلى طاولة الاتفاق. هذا الانسحاب التكتيكي أصبح نموذجاً للعقيدة الترامبية: حماية المصالح الأمريكية المباشرة، وترك الحلفاء لتدبير شؤونهم في "الغابة".

اليوم، تتكرر المخاوف نفسها مع إيران. الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة قد توحي بالاستعداد لمعركة كبرى، لكنها في الواقع أداة ضغط قصوى لتحسين شروط التفاوض، لا قرع طبول الحرب. إسرائيل تدرك، وفق مصادر عسكرية، أن ترامب يرفض الحروب الطويلة؛ رجل "الضربات السريعة" والنتائج الفورية.

الرعب الإسرائيلي ينبع من احتمال أن يستخدم الرئيس هذه الحشود للتهديد، ثم يقطف ثمار اتفاق نووي أو تفاهم أمني يضمن مصالح واشنطن، بينما تبقى الترسانة الصاروخية الإيرانية والخطر النووي قائماً، ولكن مجمداً شكلياً.

وسط هذا المشهد المعقد، لا يمكن إغفال لبنان من الحسابات الترامبية. هناك احتمالان متوازيان: السيناريو الأول، "التفويض بالوكالة"، حيث تمنح صفقة أمريكية-إيرانية إسرائيل ضوءاً أخضر للتعامل مع حزب الله كنوع من "جائزة ترضية" لعدم ضرب الرأس في طهران، مما قد يفتح الباب أمام مواجهات محدودة في الجنوب تحت غطاء سياسي أمريكي كامل، لكن بلا تدخل مباشر. فيما السيناريو الثاني، "التهدئة الشاملة"، حيث تشمل أي تسوية محتملة تهدئة الجبهات التابعة، وتفرض على إسرائيل قبول ترتيبات أمنية في لبنان لا تبعد الخطر بالكامل، بل تجمّده مؤقتاً.

يعكس القلق الإسرائيلي حقيقة مرة: المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة، ومليئة بالثقوب التي تصنعها المصالح الترامبية. تل أبيب تخشى أن تستيقظ يوماً لتجد تغريدة رئاسية تعلن "انتهاء المهمة" مع إيران، تماماً كما حدث في اليمن، فتجد نفسها وجهاً لوجه أمام محور المقاومة، بلا ظهير، وبلا خطة "ب".