القائمة
11:28 20 كانون الثاني 2026

السيادة السورية في اختبار الشمال: سقوط رهان الميليشيات أمام قطار التسويات الكبرى

عربية وإقليمية
 

بين خرائط النفوذ المتبدلة وضجيج السلاح العابر للحدود، يتقدّم الشمال الشرقي السوري بوصفه أحد آخر مسارح الصراع المفتوح على معنى «الدولة» في المشرق. فما يجري هناك لم يعد اشتباكًا موضعيًا أو اختبار قوة عابرًا، بل مواجهة مكتملة الأركان بين مشروعين: مشروع استعادة السيادة المركزية، ومشروع الكيانات الرمادية التي تعيش على هوامش الجغرافيا وتقتات من فراغ السلطة.

في هذا السياق، لم تكن تصريحات قيادات حزب العمال الكردستاني مجرد مواقف تضامنية أو ردود فعل انفعالية، بل إعلانًا صريحًا عن انتقال الحزب من دور «الفاعل غير المباشر» إلى موقع الشريك الكامل في إعادة هندسة الصراع السوري. فحين يخرج الخطاب من قنديل ليخاطب الداخل السوري بلغة «وحدة الساحات» و«المصير المشترك»، فإن الرسالة تتجاوز البعد الكردي لتصيب جوهر الدولة الوطنية وحدودها.

تاريخيًا، لطالما اعتمد الحزب على استثمار الفوضى الإقليمية وتناقضات القوى الكبرى لتمديد نفوذه خارج الجغرافيا التركية. غير أن التحولات الأخيرة – من عودة دمشق التدريجية إلى المشهد الإقليمي، إلى تآكل الغطاء الدولي عن «الإدارات الذاتية» – دفعت هذا الفاعل إلى رفع منسوب المجازفة. إعلان النفير العام، في هذا التوقيت بالذات، لا يُقرأ كخيار دفاعي بقدر ما يُفهم كمحاولة لفرض أمر واقع قبل إغلاق نافذة الفرص.

لكن هذه المقامرة تصطدم بجدار صلب من الوقائع. فتركيا، التي خبرت طويلًا كلفة التساهل مع الكيانات المسلحة على حدودها، باتت تنظر إلى أي تحرك في الشمال السوري من زاوية الأمن القومي الصرف. خطاب أنقرة، وإن بدا داخليًا في شكله، يحمل في مضمونه رسالة إقليمية واضحة: لا مكان لكيانات موازية، ولا تساهل مع مشاريع تُدار من خارج الحدود.

الأكثر دلالة هو التقاطع الصامت بين المصالح التركية والسورية. فبعد سنوات من الصدام غير المباشر، يبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة مفادها أن استمرار المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة لا يشكل تهديدًا سياديًا فحسب، بل يمثل نزيفًا اقتصاديًا وأمنيًا طويل الأمد، خاصة في مناطق تختزن ثروات استراتيجية كان يُفترض أن تكون رافعة لتعافي الدولة السورية لا وقودًا لانقساماتها.

ومن زاوية أوسع، يندرج هذا المشهد ضمن إعادة ترتيب عربية أعمق، تتقدم فيها فكرة «تحصين الدولة الوطنية» على حساب منطق الوكلاء والميليشيات. المقاربة العربية، التي تقودها عواصم كبرى، لم تعد ترى في الفوضى أداة ضغط قابلة للإدارة، بل خطرًا تراكميًا يهدد الأمن الإقليمي برمته، من الحدود إلى الاقتصاد، ومن اللاجئين إلى التطرف.

في هذا الإطار، يصبح الشمال الشرقي السوري مختبرًا حقيقيًا لنهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة كان يُسمح فيها للكيانات المسلحة بأن تتقن لعبة التوازنات، وأخرى تُرسم فيها الحدود السياسية بقواعد أكثر صرامة. فالصراع الدائر اليوم ليس حول قرية أو مدينة، بل حول سؤال جوهري: من يملك حق السلاح؟ ومن يحتكر تعريف الشرعية؟

وبينما ترفع بعض الأطراف سقف الخطاب إلى حدود كسر العظم، توحي المؤشرات بأن قطار التسويات الإقليمية يتحرك بثبات، وأن هامش المناورة أمام «اللاعبين من خارج الدولة» يضيق بسرعة. في لحظات كهذه، غالبًا ما لا يكون الرهان على التصعيد دليل قوة، بل علامة على اقتراب النهاية السياسية لمشروع لم يعد الزمن يعمل لصالحه.