في اللحظة التي تتكاثف فيها الضغوط الدولية على طهران، وتدخل المنطقة طور «حبس الأنفاس» بين واشنطن والعواصم الإقليمية، تعود عقوبة الإعدام لتطفو في قلب المشهد الإيراني، لا كأداة قضائية معزولة، بل كخيار سياسي محسوب تُعيد السلطة توظيفه لإدارة مرحلة اضطراب مركّبة. فتحذير الأمم المتحدة، اليوم الاثنين، من استخدام إيران للإعدام كـ«أداة ترهيب دولة» لا يأتي في فراغ، بل يلامس بنية الحكم ذاتها في لحظة يتراجع فيها منسوب الشرعية، ويتقدّم فيها منطق الردع على حساب السياسة.
الأرقام التي كشفها مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بشأن تنفيذ نحو 1500 حكم إعدام خلال عام واحد، لا تعبّر فقط عن ارتفاع إحصائي مقلق، بل عن تحوّل الإعدام إلى ركيزة من ركائز إدارة الحكم في أوقات الاضطراب.
في التجربة الإيرانية، لم تكن عقوبة الإعدام يوماً مجرد أداة جنائية، بل كانت دائماً جزءاً من منظومة الضبط السياسي. منذ الثمانينات، مروراً بمرحلة ما بعد الحرب مع العراق، وصولاً إلى موجات الاحتجاج المتعاقبة في العقدين الأخيرين، شكّلت هذه العقوبة لغة السلطة حين تفشل لغات السياسة والاقتصاد. الجديد اليوم ليس في الممارسة بحد ذاتها، بل في توقيتها وكثافتها، وفي الرسائل التي تُراد منها داخلياً وخارجياً.
يأتي هذا التصعيد في تنفيذ الإعدامات في ظل واحدة من أعنف موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد منذ سنوات، وفي لحظة تتآكل فيها قدرة النظام على إنتاج رواية جامعة تُقنع الداخل بجدوى الصبر، أو الخارج بصدقية الإصلاح. هنا، يصبح الإعدام أداة مزدوجة الوظيفة: ترهيب الشارع من جهة، وإعادة ترسيم خطوط السيطرة من جهة أخرى، في محاولة لإقفال نافذة الفوضى قبل أن تتحول إلى شرخ بنيوي.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه السياسة، وإن نجحت مرحلياً في خفض منسوب الاحتجاج العلني، فإنها تراكِم أثماناً استراتيجية على المدى المتوسط. فالتصعيد العقابي، حين يُستخدم كبديل عن الحلول السياسية، يسرّع انتقال الأزمة من كونها داخلية إلى ملف دولي مفتوح، كما حدث اليوم مع إدراج إيران مجدداً في صدارة تقارير حقوق الإنسان، وربطها بارتفاع عالمي «مقلق» في أحكام الإعدام.
سياسياً، يُقرأ هذا التحذير الأممي كجزء من تضييق الخناق المعنوي والدبلوماسي على طهران، في وقت تخوض فيه مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة، وتواجه ضغوطًا أوروبية متصاعدة، وتحتاج فيه إلى تخفيف عزلتها لا تعميقها.
أما داخلياً، فإن الرهان على الإعدام كوسيلة لإعادة فرض الهيبة يحمل في طياته مخاطرة بنيوية. فالتاريخ الإيراني الحديث يُظهر أن الخوف قد يُسكت الشارع، لكنه لا يعيد إنتاج الشرعية. ومع كل جولة قمع، تتقلص المسافة بين الدولة والمجتمع، وتتحول أدوات الردع من عناصر استقرار إلى عوامل هشاشة مؤجلة.
في هذا السياق، يبدو أن النظام الإيراني يخوض سباقاً مع الزمن: إما أن ينجح في إعادة ضبط الداخل قبل أن تتبلور ضغوط دولية أكثر صلابة، أو أن يجد نفسه محاصَراً بين شارع صامت لكنه غير مُقتنع، وعالم يقرأ الأرقام لا الروايات. فالإعدام، مهما بلغ عدد ضحاياه، يبقى إجراءً نهائياً في مواجهة مشكلة مفتوحة، لا حلاً لها.
تحذير الأمم المتحدة، إذاً، لا يقتصر على إدانة ممارسة قانونية قاسية، بل يلامس جوهر السؤال السياسي في إيران اليوم: هل ما زالت السلطة ترى في المجتمع شريكاً يمكن التفاوض معه، أم خصماً لا بد من ردعه؟ والإجابة عن هذا السؤال، أكثر من أي رقم، هي ما سيحدد شكل المرحلة المقبلة، داخلياً وإقليمياً.