لا يمكن قراءة قرار الجماعة الحوثية مواصلة قطع خدمات الإنترنت الحديثة عن محافظة صعدة، وحجب التطبيقات البنكية الرقمية، بوصفه إجراءً تقنياً أو أمنياً عابراً، بل باعتباره حلقة ضمن منظومة أوسع من أدوات الضبط والسيطرة التي تلجأ إليها قوى «محور الممانعة» كلما اقتربت الضغوط من مركز القرار، أو ارتفعت كلفة الانخراط في صراعات أكبر من الجغرافيا المحلية.
في هذا السياق، يبدو العزل الرقمي المفروض على صعدة انعكاساً مصغّراً لما اختبرته إيران نفسها خلال موجات الاحتجاج الأخيرة، حين لجأت طهران إلى قطع الإنترنت، وتقييد التطبيقات، وإدارة تدفّق المعلومات باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة أي اهتزاز داخلي. الفارق هنا أن ما يُمارس في صعدة لا يُبرَّر حتى بخطاب «السيادة الرقمية»، بل يُترك في منطقة رمادية، تزيد الشكوك حول طبيعته السياسية والأمنية.
هذا السلوك، حين يوضع في سياقه الإقليمي، يتقاطع مع مرحلة حبس أنفاس دقيقة تعيشها المنطقة بين طهران وواشنطن وتل أبيب: لا حرب شاملة، ولا تهدئة مستقرة، بل سلسلة اختبارات متبادلة، نارية أحياناً وصامتة أحياناً أخرى، تُدار فيها الرسائل أكثر مما تُدار المعارك.
فالضربات الإسرائيلية التي استهدفت الحوثيين خلال حرب غزة، وأسفرت عن مقتل عدد من القيادات الحكومية والعسكرية للجماعة، لم تكن معزولة عن هذا المنطق. هي ضربات لم تُسقط الجماعة، لكنها غيّرت سلوكها: دفعتها إلى الانكفاء الأمني، تشديد الرقابة، وتضييق المجال العام، في محاولة لتقليص نقاط الاختراق بدل توسيع ساحات المواجهة. وقطع الإنترنت، في هذا الإطار، يتحوّل من خدمة مدنية إلى متغيّر أمني.
الأمر ذاته ينسحب على لبنان، حيث تكثّف إسرائيل ضرباتها شمال نهر الليطاني وجنوبه في توقيتات حساسة، بالتوازي مع خطاب سياسي داخلي متوتر، ومع مرحلة انتقالية تحاول فيها الدولة اللبنانية تثبيت دورها الأمني جنوباً. هنا أيضاً، يصبح المكان رسالة، والزمان أداة ضغط، والضربة اختباراً للإرادات لا للأهداف.
الجامع بين صعدة وجنوب لبنان ليس فقط وحدة المحور، بل وحدة القلق: قلق من مرحلة مقبلة غير محسومة، وقلق من أن تتحول الساحات الطرفية إلى أوراق تفاوض أو منصات تصعيد غير منضبط. لذلك، تلجأ بعض القوى إلى تحصين الداخل عبر التضييق، فيما تلجأ أطراف أخرى إلى فرض وقائع ميدانية بالقوة.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الحوثي أمام معادلة صعبة: فمن جهة، يسعى للحفاظ على موقعه ضمن معادلة الردع الإقليمي، ومن جهة أخرى، يدفع ثمن هذا التموضع عبر إجراءات تزيد من الضغط الاجتماعي والاقتصادي على بيئته نفسها. عزل صعدة رقمياً، وحصارها اتصالاتياً، لا يقرأه السكان كضرورة أمنية، بل كعلامة على اختلال الأولويات، حيث يُضحّى بالحياة اليومية لصالح حسابات أعلى من قدرتهم على التأثير فيها.
سياسياً، يشي هذا السلوك بأن الجماعة تتعامل مع التكنولوجيا لا كأداة تنمية، بل كأداة ضبط، وهو خيار قد ينجح مرحلياً في تقليص المخاطر الأمنية، لكنه يعمّق الفجوة بينها وبين المجتمع، تماماً كما فعلت إجراءات مشابهة في تجارب إقليمية أخرى.
في المحصلة، لا يمكن فصل ما يجري في صعدة عن ما يجري شمال الليطاني، ولا عن ما دار في شوارع طهران، ولا عن الضربات التي تلقاها الحوثيون خلال حرب غزة. المشهد واحد، وإن اختلفت الساحات: مرحلة عضّ أصابع طويلة، تُدار فيها الصراعات تحت سقف الانفجار الكبير، وتُستخدم فيها الأدوات المدنية – من الإنترنت إلى المصارف – كجزء من المعركة السياسية.