في إطلالته الأخيرة، بدا الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم وكأنه يعيد إنتاج خطاب مألوف، يُراكم العناوين ذاتها من دون مقاربة الأسئلة الجديدة التي يواجهها لبنان اليوم. فبين التأكيد على “ثوابت المقاومة” والحديث عن السيادة والعدوان، غاب عنصر أساسي: الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة للقرار.
لم يحمل كلام قاسم جديدًا بقدر ما أعاد تثبيت معادلة قديمة تقوم على ربط الاستقرار الداخلي ببقاء السلاح خارج إطار الدولة، وتأجيل أي نقاش داخلي إلى ما بعد تحقق شروط إقليمية معقدة ومفتوحة على المجهول. وفي بلد يرزح تحت أزمات مالية ومؤسساتية خانقة، بدا هذا الطرح وكأنه يُبقي لبنان في حالة انتظار دائمة، بدل الدفع نحو حلول قابلة للتنفيذ.
اللافت في الخطاب لم يكن حدّته، بل توقيته ومضمونه السياسي. فالإطلالة جاءت في لحظة يحاول فيها لبنان إعادة تثبيت منطق الدولة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وإطلاق مسار إصلاحي يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي والوضوح في القرار السيادي. لكن كلام قاسم عكس مسارًا موازياً، يُعيد التأكيد على أن قرار الحرب والسلم ما زال خارج النقاش الداخلي، وأن الأولويات تُحدَّد وفق حسابات تتجاوز الإطار اللبناني الصرف.
وفي هذا السياق، برز الهجوم المباشر الذي شنّه قاسم على وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، متجاوزًا حدود النقد السياسي إلى التشكيك العلني بأداء مؤسسة رسمية أساسية. فبدل معالجة الخلاف ضمن القنوات الحكومية والدستورية، اختار منبرًا إعلاميًا لاتهام الوزير بتعطيل الدبلوماسية وعدم الالتزام بتوجهات الحكومة، داعيًا صراحة إلى “إسكاته أو تغييره”، في موقف يعكس حجم التباعد بين منطق الحزب ومنطق الدولة، ويطرح تساؤلات جدية حول معنى الشراكة في السلطة وحدودها.
هذا الهجوم لم يقف عند حدود الأداء الدبلوماسي، بل توسّع ليشمل اتهامات بالتماهي مع الموقف الإسرائيلي في ما يتصل بملف السلاح، وبالتحريض على توترات داخلية عبر الدعوة إلى دور أكثر حسمًا للجيش اللبناني. وفي المقابل، أعاد قاسم التأكيد على معادلة ربط حصر السلاح بتحقيق “السيادة الكاملة”، معتبرًا أن أي نقاش في هذا الملف قبل ذلك يندرج ضمن ضغوط أميركية وإسرائيلية تستهدف المقاومة لا الدولة.
وفي محاولة لاحتواء بعض التداعيات، أصدرت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» توضيحًا لاحقًا، أشارت فيه إلى أن مقطعًا من خطاب قاسم جرى تداوله مجتزأً، مؤكدة أن حديثه عن حصر السلاح جاء في سياق التحذير من مقاربة إسرائيلية مفتوحة لا سقف لها، تُبقي هذا الملف ذريعة دائمة للضغط والاعتداء. غير أن هذا التوضيح لم يبدّد جوهر الإشكالية، المتمثلة في استمرار مقاربة تُخرج النقاش السيادي من إطاره اللبناني، وتضعه ضمن معادلات خارجية لا يملك لبنان وحده قرارها.
الأكثر دلالة، هو أن الخطاب حاول الجمع بين الدعوة إلى الاستقرار والتحذير من المسّ بالمقاومة، في معادلة توحي بأن الاستقرار مشروط ببقاء الواقع القائم. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: حين يصبح أي تغيير أو نقاش وطني جدي مصدر تهديد محتمل، تتحول الدولة من مشروع جامع إلى مساحة نزاع مؤجل.
من دون استخدام لغة تصعيدية، حملت الإطلالة رسالة واضحة: لا تغيير في المقاربة، ولا استعداد لمراجعة الدور أو الأدوات، مهما تبدلت الظروف الداخلية أو الإقليمية. وهذا بحد ذاته يعكس مأزقًا أعمق، حيث يبدو لبنان عالقًا بين خطاب يعتبر نفسه فوق النقاش، وواقع داخلي لم يعد يحتمل سياسات إدارة الوقت.
في المحصلة، لم تكن إطلالة نعيم قاسم مجرد موقف سياسي عابر، بل إعادة تثبيت لمسار يُبعد لبنان خطوة إضافية عن منطق الدولة الكاملة، ويُبقيه أسير توازنات لم تعد تُقاس بكلفتها الحقيقية على المجتمع والاقتصاد والمؤسسات. خطاب هادئ في الشكل، لكن مفاعيله السياسية أبعد من ذلك بكثير.