للمرة الأولى في تاريخ ملف النفط والغاز في لبنان، تعلن الدولة رسميًا وبوثيقة واضحة عدم وجود غاز تجاري في البلوك البحري رقم 9. إعلان يحمل دلالات تتجاوز نتيجته التقنية، ليشكّل محطة سياسية واقتصادية مفصلية، ليس فقط لكونه ينهي مرحلة من التوقعات المرتفعة، بل لأنه يكرّس سابقة نادرة في الشفافية داخل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا.
الغاز التجاري في لبنان
الكشف الرسمي جاء نتيجة تقرير فني أُعدّ عقب انتهاء أعمال الحفر، وأُعلن بعد مطالبة قانونية بالحصول على المعلومات من قبل مبادرة غربال، في توقيت إقليمي دقيق، ووسط مناخ داخلي مثقل بالأزمات والانهيار المالي. وبين خيبة الأمل الشعبية، ومحاولة السلطة احتواء الصدمة، يفتح هذا الإعلان الباب أمام قراءة أوسع لمسار التنقيب اللبناني، وحدوده، وخياراته المقبلة.
بحسب التقرير، بلغت أعمال الحفر عمقًا يقارب 3900 متر تحت قاع البحر، حيث تم الوصول إلى طبقات جيولوجية ذات نوعية جيدة، إلا أنها لم تحتوِ على كميات من الغاز قابلة للاستثمار التجاري. سُجلت آثار محدودة جدًا للغاز، لكنها لا ترقى إلى مستوى الاكتشاف الاقتصادي، ما أدى إلى اتخاذ قرار بإقفال البئر نهائيًا وفق المعايير المعتمدة.
تقنيًا، لا يمكن اعتبار ما حصل فشلًا مطلقًا. فالحفر وفّر كمًّا كبيرًا من البيانات العلمية غير المسبوقة حول تركيبة قاع البحر اللبناني، وسمح برسم صورة أوضح عن المكامن المحتملة في حوض قانا. غير أن النتيجة النهائية كانت واضحة: لا غاز تجاري في موقع الحفر المحدد ضمن البلوك 9.
هل يوجد نفط وغاز في لبنان؟
من المهم الإشارة إلى أن هذه النتيجة لا تنفي وجود الغاز في المياه البحرية اللبنانية عمومًا، ولا حتى في كامل مساحة البلوك 9. هي نتيجة مرتبطة ببئر واحدة في موقع محدد، لكنها في الوقت نفسه تعيد ضبط سقف التوقعات الذي ارتفع بشكل مبالغ فيه خلال السنوات الماضية.
لبنان، الذي علق جزءًا من آماله الاقتصادية على ثروته البحرية، وجد نفسه مرة جديدة أمام واقع جيولوجي لا يساير الخطاب السياسي ولا الأحلام الشعبية. وبعد تجربة غير موفقة في البلوك 4، ثم الآن في البلوك 9، بات من الصعب تسويق فكرة “الخلاص القريب” عبر الغاز، من دون مقاربة أكثر واقعية وحذرًا.
سياسيًا وشعبيًا، شكّل الإعلان صدمة. فملف النفط والغاز تحوّل في الوعي العام إلى وعد مؤجل بالإنقاذ، ورافعة مفترضة لإخراج لبنان من أزمته المالية الخانقة. ومع كل إعلان عن فشل جديد، تتآكل الثقة أكثر، ليس فقط بالقطاع، بل بإدارة الدولة للملفات الاستراتيجية.
في المقابل، يرى البعض أن المصارحة بالحقيقة، مهما كانت قاسية، أفضل من الاستمرار في تسويق أوهام. فالشفافية في هذا الملف، ولو جاءت متأخرة، قد تشكّل أساسًا لبناء مسار أكثر عقلانية، بعيدًا عن الاستثمار السياسي في التوقعات غير المضمونة.
لم تمضِ فترة طويلة على إعلان نتائج البلوك 9، حتى انتقلت السلطة التنفيذية بسرعة إلى خطوة جديدة: توقيع اتفاق التنقيب في البلوك البحري رقم 8. خطوة تعكس رغبة واضحة في عدم ترك الملف يتجمّد، ومحاولة تعويض الإخفاق عبر فتح نافذة جديدة للأمل.
الاتفاق الجديد أطلق مرحلة مختلفة، تبدأ بمسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد، تمهيدًا لتحديد مواقع محتملة للحفر. كما ترافق مع حراك رسمي لافت، شمل لقاءات رفيعة المستوى مع وفود الشركات المشغلة، في رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن لبنان لا يزال ملتزمًا بخيار التنقيب، رغم الضربات المتتالية.
الانتقال من البلوك 9 إلى البلوك 8 لا يلغي حقيقة أساسية: طريق لبنان نحو اكتشاف تجاري للغاز لا يزال طويلًا، ومكلفًا، ومحفوفًا بالاحتمالات. لكن في المقابل، فإن التراجع الآن قد يعني خسارة ما تبقى من اهتمام دولي واستثماري بهذا القطاع.
الاختبار الحقيقي لن يكون في توقيع الاتفاقات، بل في كيفية إدارة المرحلة المقبلة: شفافية مستدامة، خطاب واقعي، وفصل واضح بين المعطى العلمي والاستثمار السياسي. فالثروة الغازية، إن وُجدت، لن تكون عصا سحرية، وإن لم تُوجد، فإن حسن إدارة الحقيقة قد يكون بحد ذاته خطوة إصلاحية نادرة في بلد اعتاد الهروب من الوقائع.
بين بئر أُقفلت في البلوك 9، وبئر محتملة في البلوك 8، يقف لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية: إما تحويل الإخفاق إلى معرفة، أو تكرار الدائرة نفسها من التوقعات العالية والخيبات المتتالية.