لا يمكن فصل البيان الأخير الصادر عن حاكم مصرف لبنان عن السياق العام الذي يمرّ به لبنان ماليًا ومؤسساتيًا. فالخطوة المعلنة لا تندرج في خانة التصريحات الروتينية، بل تشكّل محطة مفصلية في مقاربة واحدة من أعقد ملفات الانهيار: ملف الأموال المهدورة والمحوّلة، وحدود المسؤوليات المرتبطة بها.
في الشكل، جاء البيان واضحًا في أهدافه: الشروع بإجراءات قانونية وقضائية لاسترداد الأموال التي جرى الاستيلاء عليها أو استخدامها خارج الأطر القانونية، مع تأكيد التزام المصرف بالدفاع عن حقوقه وحقوق المودعين. هي رسالة مباشرة بأن المصرف المركزي قرّر الانتقال من موقع المتفرّج إلى موقع المبادِر، مستخدمًا الأدوات القضائية المتاحة محليًا ودوليًا.
لكن ما يمنح البيان ثقله الحقيقي هو توقيته. فالإعلان يأتي في مرحلة تحاول فيها الدولة إعادة ترميم صورتها المالية والمؤسساتية، داخليًا وخارجيًا، وسط ضغوط متزايدة لإظهار مسار جدّي للمحاسبة، ولو بدأ متأخرًا. من هذا المنطلق، يبدو البيان محاولة لوضع خط فاصل بين مرحلة سابقة مثقلة بالملفات، ومرحلة جديدة يُراد لها أن تُدار بقواعد مختلفة.
الشق القضائي في البيان يحمل دلالات إضافية. فالإشارة إلى ملاحقات تطال مسؤولين سابقين، وفي مقدّمهم الحاكم السابق رياض سلامة، لا تُقرأ فقط كإجراء قانوني، بل كإعلان نية لكشف المسار الذي سلكته الأموال، سواء داخل لبنان أو خارجه. وهي خطوة تفتح الباب أمام تعاون قضائي عابر للحدود، وتضع ملف المصرف المركزي ضمن إطار مساءلة أوسع، لا يقتصر على الداخل اللبناني.
في المقابل، حرص البيان على التأكيد أن أي أموال قد تُستعاد ستُخصّص حصريًا لخدمة المودعين، وهو تفصيل ليس تقنيًا. فربط الاسترداد مباشرة بحقوق المودعين يعكس إدراكًا لحساسية الملف اجتماعيًا، ومحاولة لإعادة وصل ما انقطع بين المصرف المركزي والرأي العام، بعد سنوات من فقدان الثقة.
غير أنّ البيان، رغم وضوحه، لا يدّعي أنه يحمل حلولًا فورية. فالمسار القضائي بطبيعته طويل ومعقّد، وتحديد المسؤوليات يتطلب وقتًا، وتعاونًا قضائيًا، وأدلة دامغة. لذلك، يمكن قراءة الخطوة كإطلاق مسار، لا كنتيجة مكتملة، وكإطار عمل أكثر منه وعدًا قريب الأجل.
في الخلاصة، ما أعلنه مصرف لبنان ليس نهاية ملف، بل بدايته الفعلية. هو انتقال من مرحلة إدارة الأزمة بالصمت، إلى مرحلة مقاربتها بالقانون. ويبقى السؤال المفتوح: هل ينجح هذا المسار في تحويل العناوين إلى نتائج ملموسة، أم يبقى خطوة تأسيسية تنتظر استكمالها سياسيًا وقضائيًا؟
بين الإعلان والتنفيذ، سيتحدّد ما إذا كان البيان محطة عابرة، أم نقطة تحوّل في مسار المحاسبة المالية في لبنان.