لا يمكن إدراج زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، في هذا التوقيت بالذات، في خانة الدبلوماسية التقليدية أو المجاملات البروتوكولية بين الدول. فالسياق الإقليمي، وتوقيت الزيارة، وطبيعة الوفد المرافق، كلها مؤشرات كافية لوضع هذه المحطة تحت عنوان واحد: زيارة سياسية بامتياز، محمّلة برسائل غير معلنة.

منذ سنوات، لم تُخفِ إيران، وعلى لسان مسؤوليها، نظرتها إلى المنطقة باعتبارها مساحة نفوذ مباشر، حين جرى التفاخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية: بغداد، صنعاء، دمشق، وبيروت. في هذا السياق، لم تكن زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى هذه العواصم يومًا زيارات دبلوماسية تقليدية، بل أقرب إلى محطات توجيه سياسي، تحمل رسائل إلى رؤساء الدول وقياداتها، وتعليمات مباشرة إلى أذرع النظام الإيراني في الداخل.

اليوم، تغيّر المشهد. الأذرع الإيرانية في المنطقة تعرّضت لضربات موجعة، والتوازنات الإقليمية تشهد اهتزازًا غير مسبوق، فيما سقط النظام السوري الذي شكّل لعقود ركيزة أساسية في محور النفوذ الإيراني. في هذا المناخ، تبدو زيارة عراقجي محاولة واضحة لـ"لملمة ما تبقّى" من هذا النفوذ، وتحديدًا في الساحة اللبنانية، حيث يمر حزب الله بمرحلة حساسة بعد نكسات سياسية وأمنية متتالية، لا تزال تداعياتها مفتوحة.

غير أنّ اللافت، وربما الأكثر إثارة للريبة، لا يقتصر على التوقيت وحده، بل يتعدّاه إلى طبيعة الوفد المرافق لوزير الخارجية الإيراني: وفد اقتصادي. هنا تبرز علامات استفهام كبرى. كيف لدولة تعاني انهيارًا حادًا في عملتها، وتشهد احتجاجات شبه يومية بسبب التدهور المعيشي، ونظامها السياسي تحت ضغط داخلي وخارجي متصاعد، أن تحضر إلى لبنان بوفد اقتصادي؟ كيف لدولة تحاول امتصاص غضب شعبها عبر زيادات هزيلة لا تتجاوز بضعة دولارات شهريًا لمواطنيها، أن تطرح نفسها شريكًا اقتصاديًا أو داعمًا ماليًا لبلد غارق أصلاً في أزمته؟

الجواب، لا يكمن في الاقتصاد بحد ذاته، بل في استخدام العنوان الاقتصادي كغطاء. فالوفد الاقتصادي لا يأتي لاستثمار حقيقي أو إنقاذ مالي، بل ليؤدي وظيفة سياسية: شدّ العصب، تثبيت النفوذ، ومحاولة إعادة ربط ما انقطع بين طهران وأذرعها في لبنان، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

زيارة عراقجي إلى بيروت، إذاً، معروفة الأهداف والخبايا. هي ليست بريئة، ولا عابرة، ولا منفصلة عمّا يجري في الإقليم. إنها رسالة إيرانية واضحة مفادها أن طهران، رغم الضربات، لم ترفع يدها بعد عن لبنان، وأنها تسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها بأدوات جديدة، ولو تحت عناوين اقتصادية فضفاضة، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الرسائل الملغومة.