لم يعد مقبولًا التعامل مع ما يجري في ملف قانون الفجوة المالية على أنّه تباين عابر في وجهات النظر أو اختلاف تقني حول تفاصيل تشريعية. ما يحصل اليوم هو نموذج صارخ لسياسة تبادل الأدوار التي يتقنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث يُدار الملف بذكاء سياسي بارد، لكن على حساب الحقيقة، والمودعين، والوقت الضائع من عمر البلد.
في الجوهر، بري مع هذا القانون. لا التباس في ذلك. هو من وافق عليه، وهو من بارك مساره، وهو من يعرف تمامًا أنّ عرّابه الفعلي هو وزير المال ياسين جابر، الرجل المقرّب منه سياسيًا، والذي لم يكن ليُقدِم على صياغته من دون غطاء مباشر من عين التينة.
لكن في العلن، المشهد مختلف تمامًا. فجأة، وبعد الحملة الشعبية والسياسية التي طالت مشروع القانون داخل الحكومة وخارجها، قرّر بري ارتداء عباءة "المدافع عن المودعين"، والتلويح بإمكانية الطعن، وكأنّ كتلته لم تكن شريكة في الإعداد، وكأنّ وزيره لم يكن مهندس النص، وكأنّ ما جرى في الكواليس لا علاقة له بما يُقال على المنابر.
هذا السلوك ليس جديدًا. هو إدارة مقصودة للازدواجية:
في الداخل السياسي: بري يعرف أنّ القانون ضرورة ضمن توازنات الداخل والخارج.
أمام الرأي العام: بري يريد غسل يديه من الغضب الشعبي، ورمي كرة النار في ملعب الحكومة ورئيسها.
الهدف واضح: تحميل الحكومة ورئيسها نواف سلام مسؤولية "التسرّع"، واتهامها بأنّها أرسلت قانونًا غير مدروس، وبأنّها رضخت للضغوط الخارجية، وخصوصًا صندوق النقد الدولي.
لكن الحقيقة التي يعرفها بري قبل غيره هي أنّ هذا القانون لم يولد في السراي، بل في مطابخ السلطة المالية والسياسية التي يديرها منذ عقود. وما يجري اليوم ليس دفاعًا عن المودعين، بل محاولة ذكية لإعادة التموضع وتسجيل نقاط سياسية من دون دفع أي كلفة فعلية.
كل ما يُسوَّق عن "الطعن" لا يتجاوز كونه سلاحًا إعلاميًا.
فبحسب معلومات "كواليس"، لا ينوي بري إسقاط القانون، بل دفنه في اللجان، حيث الوقت مفتوح، والتعديلات قابلة للتدوير، والقرار مؤجَّل إلى ما بعد الانتخابات النيابية.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل قانون الفجوة المالية عادل أم لا؟
بل: إلى متى يُسمح لنبيه بري بإدارة الملفات المصيرية بهذه الخفّة، وبوجهين، وبمنطق الهروب الدائم من المحاسبة؟
وإذا كان هذا القانون "أفضل السيّئ"، كما يُقال، فإنّ أسوأ ما فيه ليس نصّه، بل الطريقة التي يُدار بها.
ويبقى السؤال الأخطر: ماذا سيحصل حين يدرك الشارع أنّ لا طعن سيأتي، ولا قانون سيُقرّ، وأنّ كل ما جرى لم يكن سوى مسرحية جديدة بطلها نبيه بري؟