لم يعد التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مجرد ضغط عسكري موازٍ لمسار التفاوض، بل تحوّل إلى محاولة واضحة لإعادة رسم قواعد الاشتباك والحدود الأمنية التي استقرت، ولو هشّة، منذ انسحاب عام 2000.
فإعلان الجيش الإسرائيلي عبور قواته نهر الليطاني والسيطرة على قلعة الشقيف، ورفع العلم الإسرائيلي فوقها، لا يمكن التعامل معه كحدث ميداني عابر أو كعملية محدودة في سياق الحرب المفتوحة. إنه تطور يحمل أبعاداً عسكرية وسياسية ورمزية، ويؤشر إلى أن تل أبيب انتقلت من مرحلة الضربات والضغط إلى مرحلة تثبيت الوقائع على الأرض قبل أي تسوية محتملة.
توقيت هذا التحول لا يقل أهمية عن مضمونه. فالعملية جاءت في لحظة يستعد فيها لبنان لاستكمال مسار تفاوضي في واشنطن، بعد جولات عسكرية وأمنية لم تُنتج حتى الآن وقفاً لإطلاق النار أو انسحاباً إسرائيلياً أو حتى تجميداً للتوسع الميداني. وبينما يذهب لبنان إلى الطاولة حاملاً مطالب وقف النار والانسحاب وتطبيق القرار 1701، تذهب إسرائيل محمّلة بخرائط جديدة ونقاط سيطرة إضافية ومنطق تفاوضي يقوم على تحويل الإنجاز العسكري إلى شرط سياسي.
فهرس المحتوى [إظهار]
الشقيف أوسع من احتلال
تكتسب السيطرة على قلعة الشقيف أهمية تتجاوز موقعها الجغرافي. فالقلعة تشرف على النبطية وإقليم التفاح ووادي السلوقي ومرجعيون، وتمثل نقطة مراقبة وتحكم في واحدة من أكثر المساحات حساسية في الجنوب. ومن يسيطر عليها لا يملك فقط أفضلية نارية واستخبارية، بل يضع يده على رمز أساسي في الذاكرة اللبنانية والإسرائيلية معاً.
لذلك، فإن رفع العلم الإسرائيلي فوق الشقيف لم يكن مشهداً دعائياً فقط، بل رسالة سياسية عنيفة. إسرائيل تريد أن تقول إن ما انسحبت منه عام 2000 يمكن أن تعود إليه بالقوة، وإن حدود الانسحاب السابقة لم تعد بنظرها سقفاً نهائياً إذا تعارضت مع تصورها للأمن. والأخطر أن إعلان إدخال الشقيف ضمن ما تسميه إسرائيل "المنطقة الأمنية" يكشف أن الهدف لا يقتصر على عملية عسكرية مؤقتة، بل يتجه نحو بناء مفهوم أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية.
هذا يعني أن إسرائيل لا تبحث فقط عن ردع حزب الله أو تدمير قدراته جنوب الليطاني، بل تحاول إعادة صياغة المجال الجنوبي نفسه: إفراغ مناطق، تثبيت خطوط تقدم، مراقبة العمق، وفرض معادلة تقول إن العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة إلا بشروط إسرائيلية.
فجوة التفاوض
المفارقة الأساسية أن لبنان يدخل مرحلة التفاوض السياسي في واشنطن في لحظة يتراجع فيها موقعه الميداني. فالدولة اللبنانية تطالب بوقف شامل لإطلاق النار، وتتمسك بانسحاب القوات الإسرائيلية، وتدعو إلى إعادة تفعيل القرار 1701 وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. لكن إسرائيل تتصرف بعكس هذا المسار تماماً: تتقدم برياً، توسع إنذارات الإخلاء، تضرب البنى التحتية، وتدفع باتجاه منطقة أمنية فعلية تتجاوز منطق الخط الأزرق.
هذه الفجوة بين اللغة اللبنانية واللغة الإسرائيلية هي جوهر الأزمة. لبنان يتحدث بلغة القانون الدولي والشرعية والقرار 1701، بينما تتحدث إسرائيل بلغة القوة والوقائع الميدانية و"إزالة التهديد". لبنان يريد وقف النار مدخلاً لأي نقاش لاحق، وإسرائيل تريد أن تجعل وقف النار نتيجة لشروطها لا مقدمة لها. لبنان يفاوض على الانسحاب، وإسرائيل تفاوض على شكل بقائها.
من هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: ماذا يبقى من معنى التفاوض إذا كان الطرف الآخر يستخدم الوقت لتوسيع احتلاله؟ وهنا يبرز التحدي الأساسي للدولة اللبنانية بأن لا تسمه لإسرائيل أن تفرغ المسار السياسي من مضمونه، وهو في حدّه الأدنى، أن يوقف تقدم الدبابات أو يمنع تهجير السكان أو يحمي القرى من التحول إلى ساحات مفتوحة.
المشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض، لأن التفاوض يبقى المسار الأقل كلفة إذا امتلك شروطه وأوراقه. لكنها تكمن في تفاوض يجري تحت النار ومن دون ضمانات واضحة، بينما تستثمر إسرائيل كل يوم إضافي لتعميق موقعها العسكري وتحسين شروطها السياسية.
تظهر الاتصالات اللبنانية مع واشنطن أن بيروت تدرك خطورة اللحظة وتحاول انتزاع وقف إطلاق نار أو على الأقل خفض التصعيد ووقف التقدم الإسرائيلي. لكن الوقائع حتى الآن تشير إلى أن الوعود الأميركية لا تكفي لتغيير السلوك الإسرائيلي في الميدان. فتل أبيب تتحرك ضمن هامش واسع من الدعم أو التفهم الأميركي، وتتعامل مع المفاوضات لا كقيد على عملياتها، بل كإطار يسمح لها بتحسين شروطها قبل تثبيت أي تفاهم.
في المقابل، تبدو فرنسا أكثر وضوحاً في توصيف الخطر، من خلال الدعوة إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن والتحذير من أن توسيع الاحتلال والقصف لا يؤديان إلى إضعاف حزب الله بقدر ما يعيدان إنتاج شروط المواجهة. غير أن الموقف الفرنسي، مهما كان متقدماً في لغته السياسية، يصطدم بحدود القدرة الدولية حين لا تكون واشنطن مستعدة لاستخدام ضغط فعلي على إسرائيل.
أما الدعم العربي للبنان، ولا سيما المصري، فيتحرك ضمن معادلة مزدوجة: رفض الاحتلال الإسرائيلي والدعوة إلى الانسحاب الكامل، وفي الوقت نفسه التشديد على دعم الدولة اللبنانية والجيش وحصرية السلاح. وهذه المعادلة تبدو منطقية من زاوية الدولة، لكنها تصبح شديدة الحساسية حين تحاول إسرائيل تحويل ملف السلاح إلى شرط مسبق للانسحاب، أي حين يصبح الاحتلال نفسه أداة ضغط لفرض إعادة ترتيب داخلي لبناني تحت النار.
هنا يبرز الخطر الأكبر: أن يتحول الوجود الإسرائيلي في الجنوب من خرق يجب إنهاؤه فوراً إلى ورقة تفاوض تُستخدم للضغط على لبنان في ملفات داخلية وسيادية. عندها لا يعود النقاش حول وقف الحرب فقط، بل حول منع تحويل الاحتلال إلى منصة لإعادة تشكيل التوازنات اللبنانية.
حزب الله والدولة بين الاستنزاف والانفجار
رد حزب الله بتوسيع عملياته الصاروخية تجاه شمال إسرائيل، في محاولة لإظهار أن التقدم البري لن يكون بلا كلفة، وأن السيطرة على نقاط استراتيجية مثل الشقيف لن تعني استقراراً إسرائيلياً آمناً. هذه الرسالة مفهومة ضمن منطق الردع والاستنزاف، لكنها تضع لبنان أيضاً أمام خطر اتساع الحرب أكثر، خصوصاً أن إسرائيل تستخدم كل رد لتبرير ضربات أوسع وتوغلات أعمق.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية، وهي على اعتاب استئناف مفاوضات المسار السياسي بدءا من الغد ولمدة يومين، في موقع بالغ الصعوبة. فهي تريد وقف الحرب واستعادة القرار العسكري والأمني، لكنها تتحرك في لحظة احتلال وتفاوض غير متكافئ وانقسام داخلي ونزوح واسع. وهي مطالبة في الوقت نفسه بأن تثبت قدرتها على حماية السيادة، وأن تدير ملف سلاح حزب الله ضمن مسار داخلي لا يُفرض تحت الدبابة الإسرائيلية ولا يتحول إلى ذريعة لإدامة الاحتلال.
لذلك، فإن أي وقف لإطلاق النار لا يرتبط بانسحاب واضح وجدول زمني محدد وانتشار فعلي للجيش وضمان عودة النازحين ومعالجة ملف الأسرى، سيبقى هدنة ناقصة فوق أرض متوترة. أما إذا جرى تثبيت وقف النار مع بقاء إسرائيل في مواقع جديدة، فإن لبنان سيدخل مرحلة أكثر خطورة: لا حرب شاملة ولا سلام، بل احتلال مقنّع، واستنزاف مفتوح، وتفاوض دائم على أرض يفرضها الأقوى.
ما بعد الشقيف ليس كما قبله. عبور الليطاني ورفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة لم يكونا مجرد حدثين عسكريين، بل إعلاناً عن محاولة إسرائيلية لإنتاج جنوب جديد بالقوة. وفي المقابل، لم يعد أمام لبنان ترف الاكتفاء بالمناشدات أو الرهان على بيانات دولية. المطلوب موقف سياسي موحد، مسار تفاوضي مشروط بوقف النار والانسحاب، وتحصين داخلي يمنع إسرائيل من تحويل الحرب إلى وسيلة لإعادة صياغة لبنان من الخارج.
المعادلة اليوم قاسية وواضحة: إسرائيل تفاوض بالنار، ولبنان يفاوض تحت الضغط، والمجتمع الدولي يكتفي بإدارة الأزمة لا حلها. وبين هذه المستويات الثلاثة، يبقى الجنوب هو المساحة التي تُدفع فيها الكلفة الكبرى، من الأرض والناس والدولة معاً.