لم تعد المواجهة الدائرة حول لبنان تُختصر بجبهة الجنوب أو بمسار التفاوض المفتوح في واشنطن. ما يجري اليوم يتجاوز بكثير إطار الحرب التقليدية أو الضغوط الدبلوماسية المعتادة، ليدخل مرحلة إعادة هندسة التوازنات داخل الدولة اللبنانية نفسها، أمنياً وإدارياً وسياسياً، تحت سقف معادلة أميركية جديدة تقوم على كسر “المنطقة الرمادية” التي لطالما استخدمها لبنان للمناورة بين الضغوط الدولية وواقع حزب الله الداخلي.
حزمة العقوبات الأميركية الأخيرة لم تكن مجرد رسالة سياسية عابرة، بل بدت أقرب إلى إعلان انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاختراق المباشر لمؤسسات الدولة. للمرة الأولى، دخلت العقوبات إلى عمق الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية، بعدما كانت الخطوط الحمراء الأميركية التقليدية تقوم على حماية هذه المؤسسات تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار ومنع انهيار الدولة. أما اليوم، فتبدو واشنطن مقتنعة بأن الاستقرار السابق نفسه هو الذي سمح لحزب الله بالتمدد داخل بنية الدولة وتحويل أجزاء واسعة منها إلى بيئة حاضنة أو متسامحة مع نفوذه.
في هذا السياق، لا تنظر الإدارة الأميركية إلى العقوبات بوصفها مجرد أداة ردع مالية، بل كجزء من عملية إعادة تشكيل شاملة للمشهد اللبناني. الهدف الفعلي يتمثل في خلق حالة خوف داخل المؤسسات الرسمية، تدفع الضباط والقضاة والمديرين العامين والموظفين الكبار إلى إعادة حساباتهم السياسية والأمنية، وإجبارهم على الاختيار بين حماية مواقعهم أو الاستمرار في توفير الغطاء الإداري والسياسي للحزب. عملياً، تريد واشنطن تفكيك البيئة البيروقراطية التي سمحت خلال السنوات الماضية بمرور شبكات الحزب داخل الدولة، وفرض ميزان قوى داخلي جديد يميل لمصلحة القوى المناهضة لسلاحه.
بالتوازي مع الضغوط الأميركية، عاد ملف جوازات السفر المزورة إلى الواجهة من البابين القضائي والأمني، لكن هذه العودة لا تبدو منفصلة عن المناخ السياسي العام، والضغط الاميركي باتجاه فكفكة دولة الحزب داخل الدولة.
توقيت هذه الضغوط ليس من فراغ. فالعقوبات جاءت قبل أيام من انطلاق المسارين التفاوضيين في واشنطن، العسكري في البنتاغون والسياسي في وزارة الخارجية الأميركية، ما يعني أن الوفد اللبناني يدخل المفاوضات تحت ضغط غير مسبوق. الرسالة الأميركية واضحة: لم يعد ممكناً استخدام خطاب “الخصوصية اللبنانية” أو “الخوف على السلم الأهلي” للتهرب من تنفيذ ترتيبات أمنية تتعلق بجنوب لبنان أو بسلاح حزب الله. وباتت الطروحات الأميركية تتجاوز الجنوب نفسه، مع حديث متزايد عن مقاربة أمنية أشمل تشمل بيروت والبقاع والبنية اللوجستية للحزب داخل الدولة.
وفي خلفية هذا المشهد، تبدو إسرائيل وكأنها تتحرك على قاعدة أن ما بعد حرب 2024 يجب أن يكون مختلفاً جذرياً عن مرحلة ما بعد 2006. لذلك لا يقتصر الضغط الإسرائيلي على العمليات العسكرية اليومية، بل يمتد إلى محاولة فرض واقع أمني وجغرافي جديد في الجنوب، يقوم على استنزاف طويل الأمد ومنع إعادة بناء البيئة العملياتية للحزب قرب الحدود. أما حزب الله، فيحاول العودة إلى نموذج حرب الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والضربات المحدودة، في وقت تعترف فيه الصحافة الإسرائيلية بأن “المنطقة الأمنية” الجديدة بدأت تتحول تدريجياً إلى نسخة معدلة من تجربة الحزام الأمني القديمة.
الخليج يدخل على خط التهدئة… وواشنطن تفضّل الاستنزاف
إقليمياً، تتقاطع هذه الضغوط مع حراك خليجي متصاعد تقوده السعودية وقطر وسلطنة عمان لمحاولة منع انفجار إقليمي واسع بين واشنطن وطهران. المعلومات المتداولة في الكواليس الديبلوماسية تشير إلى أن العواصم الخليجية باتت مقتنعة بأن استمرار التصعيد العسكري يهدد استقرار المنطقة بالكامل، خصوصاً مع اقتراب موسم الحج واستمرار القلق من أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة والملاحة البحرية.
المقترح المطروح يقوم على هدنة تمتد بين شهر وشهرين، تشمل وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز مقابل خطوات متبادلة تتعلق بالعقوبات والتفاوض النووي. لكن العقدة الأساسية لا تزال عند ملف اليورانيوم عالي التخصيب، حيث تصر واشنطن على إخراج المخزون بالكامل من إيران، فيما ترفض طهران ذلك وتطرح بدائل تشمل نقله إلى روسيا أو الصين أو إبقاءه تحت رقابة خاصة داخل الأراضي الإيرانية.
ورغم الحراك الديبلوماسي، لا تبدو إدارة دونالد ترامب مستعجلة للوصول إلى اتفاق نهائي. المقاربة الأميركية الحالية تقوم أكثر على استنزاف إيران اقتصادياً ومالياً وإبقائها تحت الضغط، مع الرهان على أن يؤدي الحصار الطويل إلى إنهاك الداخل الإيراني تدريجياً. في المقابل، تحاول طهران بناء شبكات بديلة للنقل والتجارة عبر آسيا الوسطى وروسيا والصين لتخفيف أثر الحصار البحري والعقوبات النفطية.
وسط كل هذه المسارات المتشابكة، يبدو لبنان اليوم عالقاً في قلب إعادة ترتيب إقليمية أكبر منه بكثير. فالمفاوضات التي تبدأ في واشنطن لا تتعلق فقط بوقف حرب أو ترسيم قواعد اشتباك، بل بمستقبل شكل الدولة اللبنانية نفسها، وبالسؤال الذي تحاول واشنطن وتل أبيب فرضه بالقوة: هل يبقى لبنان ساحة رمادية بين الدولة والحزب، أم يدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء السلطة تحت سقف ميزان قوى مختلف بالكامل؟