لم يكن اجتماع نواب العاصمة في فندق "فينيسيا" صباح اليوم مجرد لقاء بروتوكولي، بل جاء كإعلان سياسي حازم تحت عنوان "بيروت آمنة وخالية من السلاح". فمع دقات العاشرة والنصف، التقت الإرادات النيابية الممثلة لمختلف الأطياف البيروتية لتضع النقاط على الحروف فيما يخص الخطة الأمنية الحكومية، معتبرين أن أمن العاصمة هو حجر الزاوية لاستعادة هيبة الدولة الساقطة عند حدود المربعات الأمنية.
افتتح النائب فؤاد المخزومي المؤتمر باستذكار "جراح بيروت"، مؤكداً أن أحداث "الأربعاء الأسود" كانت جرس إنذار لا يمكن تجاوزه. وانطلق المخزومي من هذه النقطة ليؤكد أن المطلب اليوم ليس شعاراً سياسياً، بل هو "مطلب شرعي" يتمثل في تسليم كافة الأسلحة للدولة، بما فيها سلاح حزب الله، لضمان ألا تؤخذ العاصمة رهينة مرة أخرى. هذا التوجه السيادي عززه النائب غسان الحاصباني، الذي ذهب أبعد من ذلك بمطالبة الحكومة بإعلان "التعبئة العامة" وتطبيق الخطة الأمنية بحزم، رافضاً أن تظل شوارع بيروت مساحة لتصفية الحسابات الخارجة عن القانون.
وفي قراءة جيوسياسية للمرحلة، تقاطعت مواقف النواب حول ضرورة حماية لبنان من العواصف الإقليمية. إذ شدد النائب نقولا صحناوي على أن الدولة القوية والعادلة هي الملجأ الوحيد لحماية اللبنانيين، رافضاً توريط البلاد في حروب "أكبر منها". وهو ما وافقه عليه النائب فيصل الصايغ، الذي دعا للتمسك باتفاق الطائف وثوابت الاستقلال في ظل الصراع الأميركي-الإيراني المحتدم، مؤكداً ضرورة خوض المفاوضات بأجندة لبنانية موحدة، تبدأ من حماية أمن العاصمة الذي هو من أمن "لبنان الكبير".
ولم يغب القلق الشعبي عن قاعة المؤتمر، حيث نقل النائب نديم الجميّل هواجس أهل بيروت، مطالباً بنشر الجيش اللبناني على كامل الأراضي انطلاقاً من العاصمة. وفي المقابل، برز دعم لافت للسلطة التنفيذية، حيث وصف النائب إبراهيم منيمنة قرارات رئيسي الجمهورية والحكومة بـ"التاريخية"، معتبراً أن حصر السلاح كان يجب أن يكون أولوية منذ زمن.
من جانبه، ركز النائب وضاح الصادق على البعد التضامني والوطني لتحصين العاصمة، معتبراً أنه لا مصلحة لأي طرف في رؤية بيروت مفككة، بل إن مصلحة الجميع تكمن في أن تكون المدينة موحدة ومحصنة بوجه الأزمات. وأشار الصادق إلى أن التنسيق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الشعب والبلد في هذه الظروف الدقيقة، مختتماً كلمته بتوجيه تحية إجلال وتقدير لعناصر فوج الإطفاء والصليب الأحمر على تضحياتهم الجسيمة التي قدموها خلال فترة الحرب.
جاء موقف النائبة بولا يعقوبيان ليؤكد أن هذا التحرك ليس موجهاً ضد طائفة أو حزب بحد ذاته، بل هو دعوة للعودة إلى كنف القانون. وبمنطق "من ليس معنا في هذه اللحظة، فعليه مراجعة موقفه"، ثبّت المؤتمر حقيقة واحدة: أن بيروت لم تعد تحتمل "أنصاف الحلول" الأمنية، وأن الخيار الوحيد المتاح أمام الحكومة هو المضي قدماً في جعل العاصمة نموذجاً لسيادة الدولة الكاملة.
بناءً على ما تقدم، اختُتم المؤتمر بصدور البيان الختامي الذي رسم خارطة طريق سيادية واضحة، خلاصة القول، تقاطع نواب بيروت في بيانهم الختامي عند ثوابت سيادية حاسمة، تبدأ من إدانة الاعتداءات الإسرائيلية ورفض زج لبنان في حروب المحاور، وتصل إلى إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح تحت حماية الجيش اللبناني وحده. كما عكس البيان غطاءً سياسياً كاملاً لحكومة الرئيس نواف سلام في قراراتها لبسط سلطة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيدها، مع التشديد على اعتماد تدابير أمنية استثنائية لمنع المظاهر المسلحة وحماية المدنيين من أي أخطار أو استفزازات ميدانية.