في خطوة أثارت الكثير من الجدل على الساحة اللبنانية، نشرت صفحة السفارة الإيرانية في لبنان عبر منصة "إكس" تصميماً بصرياً يحمل عبارة "لن نترك لبنان"، تتوسطه أرزة لبنانية محاطة بشعار الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ورغم أن ظاهر المنشور قد يوحي "بالتضامن"، إلا أن القراءة السياسية العميقة للسياق والتوقيت تضع هذه الصورة في إطار أبعد من الدعم، لتكرس مفهوم الهيمنة الإيرانية على القرار السيادي اللبناني.
لبنان كـ "ساحة" وليس كدولة
تأتي هذه الرسالة في وقت يواجه فيه لبنان أدق مرحلة في تاريخه المعاصر، حيث يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مسارات مفروضة سلفاً. إن عبارة "لن نترك لبنان" تُقرأ من زاوية الرفض الإيراني الضمني لأن يكون للبنان "مساره الخاص" المستقل عن أجندات المحور. الهيمنة هنا لا تتوقف عند حدود الكلام، بل تتجسد في التحكم بقراري السلم والحرب عبر "حزب الله". في الحرب بفتح جبهات اسناد من غزة العام 2023 الى ايران 2026، وربط مصير لبنان بملفات إقليمية لا علاقة مباشرة للبنان بها. اما في السلم من خلال الإصرار على الإمساك بزمام "التفاوض" وربط ملف اللبناني بالملف الايراني والقرار السياسي. هذا من خلال المواقف الايرانية وابرزها تصريح مستشار المرشد الايراني أن استقرار لبنان يعتمد فقط على تضافر جهود الكومة اللبنانية والمقاومة. وقال إنه يتعين على رئيس حكومة لبنان أن يعلم أن تجاهل دور المقاومة وحزب الله سيعرض لبنان لمخاطر أمنية.
دبلوماسية "الأمر الواقع"
ولا تنفصل هذه الصورة عن السلوك الدبلوماسي المثير للجدل للسفير غير المعتمد والذي بات يقيم بصفة غير قانونية في لبنان. محمد رضا شيباني، رافضا المغادرة أو الالتزام بالأطر القانونية والدبلوماسية المتعارف عليها بعد ان اعلن وزير الخارجية يوسف رجي انه "شخص غير مرغوب فيه". هذا الإصرار على البقاء، رغم الإشكالات القانونية المحيطة بتمثيله، يعكس عقلية "إدارة الساحة" بدلاً من احترام سيادة الدولة المضيفة. إن وجود سفير خارج الأطر القانونية هو بحد ذاته تعبير صارخ عن حالة "الاستعلاء السيادي" التي تنتهجها طهران تجاه بيروت.
تعريف "الدعم" بمفهوم طهران
يصبح مفهوم "الدعم" في القاموس السياسي الإيراني مرادفاً لتعزيز سيطرة "حزب الله" على مفاصل الدولة ومقدراتها. فالدعم هنا ليس موجهاً للمؤسسات الشرعية أو للجيش اللبناني أو للاقتصاد الوطني، بل هو استثمار في "الدويلة" على حساب "الدولة". إن عصيان الحزب على القرارات الدولية (كالقرار 1701) وعلى قرارات الإجماع الداخلي، ليس إلا انعكاساً للسياسة الإيرانية التي ترى في لبنان منصة متقدمة وورقة لها وليس وطناً نهائياً لأهله.
البحث عن المسار المفقود
إن التمسك الإيراني بعبارة "لن نترك لبنان" في هذا التوقيت يبدو كمحاولة لفرض حضور معنوي وسياسي يتناقض مع الواقع الدبلوماسي المستجد. فخلافاً لما تطمح إليه طهران، لبنان بدأ يسلك مساراً مغايراً من خلال المفاوضات الجارية حالياً، والتي تتم بمعزل عن التدخل الإيراني المباشر، وتجري كمسار لبناني مستقل في مواجهة الضغوط. هذا التوجه اللبناني نحو مفاوضات مباشرة تضع مصلحة الدولة في المقدمة، يعكس رغبة لبنان في التحرر من دور "الساحة" وتأكيد قدرتها على إدارة ملفاتها السيادية بشكل ذاتي. في المحصلة، تظهر هذه الصورة كمحاولة أخيرة لتثبيت "الوصاية" في وقت يسعى فيه اللبنانيون لفك هذا الارتباط، ورسم مسار وطني خالص يعيد للأرزة استقلالها بعيداً عن الحسابات الإقليمية المفروضة.
