لا يبدو أن لحظة استلام إسرائيل ثلاث مقاتلات جديدة من طراز «إف-35» يمكن قراءتها بوصفها تفصيلاً تقنياً في سجلّ صفقات السلاح، ولا حتى كجزء روتيني من تحديث سلاح الجو، بقدر ما تشكّل حلقة صامتة في مشهد إقليمي تتقدّم فيه الإشارات العسكرية على الخطاب السياسي، وتُختبر فيه حدود الردع قبل أن تُختبر حدود التفاوض.
فالطائرة التي تدخل الخدمة اليوم ليست مجرد قطعة معدنية متطورة، بل أداة سياسية تحلّق؛ رسالة تُرسل من دون بيان رسمي، وتُفهم في العواصم المعنية بلغتها الخاصة. وفي منطقة تشهد توتراً متراكماً بين واشنطن وطهران، وحرب أعصاب مفتوحة على أكثر من جبهة، يصبح لتوقيت التسليم دلالة لا تقل أهمية عن نوع السلاح نفسه.
إسرائيل، في هذا التوقيت بالذات، لا تعزّز قدراتها الجوية بقدر ما تعيد ترتيب موقعها في معادلة القوة الإقليمية. فـ«إف-35» هي طائرة صُممت لمرحلة ما بعد الردع التقليدي، لسيناريوهات لا تقوم على تبادل الرسائل، بل على كسر المسافات واختراق العمق، في بيئات يُفترض أنها محصّنة ومشبعة بالدفاعات. اختيار هذا النوع من الطائرات، والإسراع في استكمال سربين كاملين، يوحي بأن تل أبيب لا تتهيأ لتهديدات حدودية أو ضربات موضعية، بل تفكّر في مسارح عمليات أوسع وأبعد.
القراءة السياسية الأعمق تكمن في أن هذه الخطوة تأتي بينما تتراجع يقينيات كثيرة: الولايات المتحدة تُبقي «كل الخيارات على الطاولة» لكنها تؤجل الحسم، إيران تُظهر صلابة خطابية مقابل هشاشة داخلية، وحلفاء طهران في الإقليم يمرّون بمرحلة إنهاك غير مسبوقة. في مثل هذا الفراغ الاستراتيجي، تتحرّك إسرائيل لتثبيت حقيقة واحدة: أنها لن تكون رهينة التردّد الأميركي، ولا أسيرة الانتظار.
ثمّة بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو البعد النفسي. إدخال هذا السلاح المتقدّم إلى الخدمة الآن هو إدارة للوعي بقدر ما هو إدارة للقوة. هو تذكير بأن السماء، في أي لحظة، قد تتحوّل من مجال مراقبة إلى مجال فعل، وأن الخطوط الحمراء في المنطقة لم تعد مرسومة بالحبر الدبلوماسي وحده، بل بمديات الطيران وقدرات التخفي.
ولا يمكن فصل ذلك عن التحوّلات الجارية في ميزان الردع غير المتكافئ. فبينما تراكم إيران أدوات الضغط غير المباشر عبر الشبكات الإقليمية، تراكم إسرائيل أدوات الضربة المباشرة عالية الدقة. معادلة صامتة تقوم على سؤال واحد غير معلن: من يملك القدرة على فرض الإيقاع عندما تفشل كل قنوات الضبط؟
في هذا السياق، لا يبدو استلام «إف-35» استعداداً لحرب وشيكة بقدر ما هو استعداد لمرحلة اللايقين، حيث تُدار الأزمات على حافة الانفجار، ويُستخدم التفوق العسكري ليس فقط كخيار أخير، بل كورقة ضغط دائمة في لعبة عضّ الأصابع الإقليمية.
وهكذا، بينما تنشغل العناوين بالاحتجاجات والعقوبات والوساطات، تُدخل إسرائيل بهدوء مفردات جديدة إلى معجم الصراع. مفردات لا تُنطق، لكنها تُرى في السماء، وتُحسب جيداً في غرف القرار.