ليست حاملة الطائرات الأميركية المتجهة إلى منطقة القيادة المركزية مجرّد قطعة عسكرية إضافية في مياه الشرق الأوسط، ولا يمكن قراءتها بوصفها تحركاً روتينياً في دفتر الانتشار الأميركي المعتاد، بل هي رسالة سياسية مركّبة، تُكتب بلغة الحديد والنار، وتُقرأ في العواصم وفق موازين الخوف والحسابات الاستراتيجية.
مسؤولون أميركيون لا يخفون هذه الحقيقة. فوجود حاملة طائرات، وفق تعبير أحدهم، “هو دائماً رسالة”، رسالة لا تُرسل عبثاً، ولا تُقرأ بمعزل عن السياق، بل تُستخدم كأداة ضغط مرنة تمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقيادة السياسية والعسكرية “خيارات كثيرة”، تبدأ بالردع ولا تنتهي عند حافة المواجهة المفتوحة.
وبحسب ما تأكّد، فإن حاملة الطائرات الأميركية ستصل إلى منطقة الشرق الأوسط بنهاية الأسبوع الحالي، بالتوازي مع استعداد وزارة الدفاع الأميركية لإرسال أسراب من القوات الجوية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مراحل ما قبل الانفجارات الكبرى التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية، حين كانت واشنطن تكدّس أدوات القوة قبل أن تختبر جدوى الدبلوماسية… أو تتجاوزها.
المسؤول الأميركي الذي تحدث إلى وسائل إعلام عربية، استعاد تجارب سابقة، مذكّراً بأن الولايات المتحدة حين ترسل قوات بأعداد كبيرة، فإنها تفعل ذلك لأنها ترى “مخاطر حقيقية” وتحتاج إلى أن تكون مستعدة لمواجهتها، أو – في لحظة معينة – لدعم قرار رئاسي باستخدام القوة. المثال الفنزويلي لم يكن عابراً في هذا السياق: لائحة مطالب، ثم ضغط عسكري، ثم استخدام القوة لفرض الحصار ومحاولة اعتقال رئيس دولة.
الرسالة هنا واضحة: القوة ليست دائماً لإطلاق الحرب، لكنها شرط أساسي لفرض الشروط.
ومع وصول الحاملة إلى الشرق الأوسط، تتكشّف أمام ترامب سلّة سيناريوهات قابلة للتنفيذ، أكثرها إيلاماً لإيران ليس عسكرياً، بل اقتصادياً. أحد هذه الخيارات يتمثّل في البدء باعتراض السفن التي تنقل النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، في خطوة إن نُفذت، فإنها ستشكّل خنقاً مباشراً لشريان الحياة الاقتصادي لطهران.
الأرقام هنا ليست تفصيلاً: أكثر من مليون ونصف المليون برميل نفط يومياً تُصدّرها إيران بطرق ملتوية، حقّقت لها ما لا يقل عن 42 مليار دولار، وهي أموال سمحت للنظام بالصمود، وبتدوير أزماته الداخلية، وبتمويل سياساته الإقليمية. وقف هذا التدفق يعني – بلغة الاقتصاد السياسي – دفع إيران نحو حافة انهيار اقتصادي في توقيت تعاني فيه أصلاً من تضخّم خانق، وعملة منهارة، وغضب اجتماعي لم تُطفئه القبضة الأمنية.
لكن واشنطن، وفق مصادرها، لا تنظر إلى النفط بوصفه الورقة الوحيدة. فهناك ما يُسمّى داخل غرف القرار الأميركي بـ“الرئة العراقية”؛ أي العراق بوصفه منفذاً اقتصادياً ومالياً ولوجستياً لطهران، ومنصة التفاف على العقوبات. معالجة هذه “الرئة” تعني خنقاً أعمق، يتجاوز البحر إلى البر، ويعيد رسم خطوط الاشتباك الاقتصادي في المنطقة.
وإلى جانب ذلك، تظل القدرات الصاروخية الإيرانية بنداً ثابتاً على الطاولة، بنداً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة ردع أو تسوية، ولا في أي سيناريو ضغط أو تفاوض.
في المحصلة، لا يبدو أن واشنطن تسابق الزمن نحو الحرب، لكنها في الوقت نفسه ترفض منح طهران رفاهية الاطمئنان. حاملة الطائرات، والطائرات المقاتلة، والرسائل المتعددة الاتجاهات، كلها أدوات في لعبة شدّ أعصاب، عنوانها العريض: إمّا أن تغيّر إيران سلوكها، أو أن تُدفع كلفة أعلى بكثير مما اعتادت عليه.