لم يعد الحديث عن إيران يدور فقط حول العقوبات، أو المفاوضات المؤجلة، أو حتى الضربات المحدودة والمنشآت النووية. فالتصريح الذي أطلقه السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل والمسؤول الرفيع السابق في وزارة الدفاع الأميركية، دان شابيرو، كسر واحداً من أكثر الخطوط الحمراء حساسية في المشهد الإيراني، واضعاً احتمال استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه في قلب النقاش السياسي والأمني الأميركي.

شابيرو، الذي لا يُعدّ صوتاً هامشياً في منظومة صنع القرار السابقة، قال بوضوح إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “سيحاول هذا الأسبوع اغتيال المرشد الأعلى لإيران”، مستنداً في تقديره إلى عاملين متداخلين: ما وصفه بـ“الحاجة إلى قيادة جديدة في إيران”، وما اعتبره “استفزاز خامنئي الأعمى لترامب”، في لحظة تتشابك فيها الاحتجاجات الداخلية مع التهديدات الخارجية على نحو غير مسبوق.

هذا النوع من التصريحات لا يُقرأ بوصفه تسريباً استخبارياً، ولا إعلاناً رسمياً، بل كـ بالون اختبار سياسي، يُطلق في توقيت محسوب، لقياس ردود الفعل، داخلياً وخارجياً، ولتهيئة الرأي العام لاحتمالات كانت حتى وقت قريب خارج التداول العلني.

الأخطر في طرح شابيرو لا يكمن فقط في الحديث عن استهداف خامنئي، بل في السياق الذي وضعه لهذا السيناريو. فهو ربطه مباشرة بتشكّل مجموعة حاملات طائرات أميركية ضاربة في الشرق الأوسط، ما يعني – وفق منطقه – أن واشنطن لا تكتفي بإرسال رسائل ردع، بل تُعدّ بنية عسكرية قادرة على تنفيذ ضربات واسعة داخل العمق الإيراني، والاستعداد في الوقت نفسه لردود فعل انتقامية.

وإذا كان استهداف شخص المرشد الأعلى يُعدّ زلزالاً سياسياً وعقائدياً في بنية النظام الإيراني، فإن شابيرو يذهب أبعد، حين يتحدث عن إمكانية تزامن ذلك مع ضربات تطال مراكز القيادة والسيطرة في الحرس الثوري وقوات “الباسيج”، أي العمود الفقري للأمن الداخلي وقمع الاحتجاجات. هنا، يتحوّل السيناريو من مجرد “عملية نوعية” إلى محاولة شلّ رأس النظام وأذرعه في آن واحد.

لكن المفارقة، التي تكشف عمق المأزق الأميركي ذاته، أن شابيرو نفسه يعترف بأن مثل هذه الضربة – إن وقعت – لن تعني تغيير النظام. بل على العكس، يتوقع أن تؤول الأمور، في المرحلة الأولى، إلى سيطرة مباشرة للحرس الثوري، ونشوء نظام أكثر قمعاً وعدوانية، ما يعني أن اغتيال خامنئي قد يفتح باباً على فوضى محسوبة النتائج، لا على انتقال منظم للسلطة.

هنا، يتبدّى التناقض البنيوي في التفكير الغربي تجاه إيران: الرغبة في معاقبة النظام، مقابل الخوف من البديل؛ السعي لإرضاء الشارع الإيراني، مقابل إدراك محدودية الأدوات العسكرية في صناعة التغيير الداخلي.

شابيرو نفسه يقرّ بهذه الحقيقة حين يؤكد أن “تغيير النظام، حين يحدث، سيكون من صنع الشعب الإيراني”، وأن دعم الإيرانيين في سعيهم إلى الحرية لن يتحقق بضربة واحدة، بل يتطلب تركيزاً طويل الأمد وإجراءات غير عسكرية في الغالب.

 

ومع ذلك، فإن مجرد إدخال اسم خامنئي إلى دائرة الاستهداف العلني المحتمل يعكس تحوّلاً خطيراً في منسوب التفكير الأميركي. فبعد سنوات من الالتفاف حول رأس النظام، والتركيز على الأذرع والبرامج، يبدو أن واشنطن – أو بعض دوائرها على الأقل – باتت ترى أن الأزمة الإيرانية وصلت إلى نقطة تتطلب كسر المحظور.