في لحظة إقليمية مشبعة بالضغوط والعقوبات والتلويح بالقوة، خرجت طهران، عبر مسؤول رسمي، لتقرّ للمرة الأولى بسقوط ما لا يقل عن خمسة آلاف قتيل في الاحتجاجات التي هزّت البلاد خلال الأسابيع الماضية، في اعتراف يحمل في طياته أكثر مما يُعلن، ويكشف عن محاولة لإعادة ضبط السردية الرسمية في مواجهة اتهامات دولية متصاعدة بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
المسؤول الإيراني، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أكد أن نحو 500 من القتلى ينتمون إلى الأجهزة الأمنية، متهماً ما وصفهم بـ«إرهابيين ومثيري شغب مسلحين» بالوقوف خلف سقوط “إيرانيين أبرياء”، في خطاب يعكس إصرار السلطة على نقل مركز الثقل من سؤال القمع إلى سردية “الحرب الداخلية”، ومن مسؤولية الدولة إلى “مؤامرة عابرة للحدود”.
وبحسب الرواية الرسمية، فإن أكثر المواجهات دموية وقعت في المناطق الكردية شمال غربي البلاد، حيث تنشط حركات انفصالية، في إشارة تحمل أبعاداً تاريخية وسياسية حساسة، لطالما استخدمها النظام لتأطير الاحتجاجات ضمن سياق أمني – قومي، لا اجتماعي – سياسي، وإعادة إنتاج ثنائية “الدولة في مواجهة التفكيك”.
وفي محاولة واضحة لتطويق التداعيات الدولية، سارع المسؤول الإيراني إلى التقليل من احتمالات ارتفاع عدد الضحايا، متحدثاً عن “استقرار الأوضاع”، في وقت لا تزال فيه البلاد تعيش حالة حبس أنفاس، وسط تشديد أمني غير مسبوق، وقيود صارمة على الإنترنت، وحملات اعتقال واسعة.
غير أن اللافت في التصعيد الإيراني لم يكن فقط في الأرقام، بل في توسيع دائرة الاتهام. إذ حمّل المسؤول، بشكل مباشر، إسرائيل و«جماعات مسلحة في الخارج» مسؤولية دعم وتسليح المحتجين، في تكرار لنمط اتهامي اعتادت عليه طهران كلما واجهت اهتزازاً داخلياً واسع النطاق، وكأن الاعتراف بحجم الخسائر لا يكتمل إلا بإحالتها إلى “العدو الخارجي”.
هذا المنحى تعزّز بتصريحات إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، الذي اتهم سفراء «الترويكا» الأوروبية بالوقوف “بشكل مباشر” إلى جانب ما سماه “العناصر الإرهابية”، بل والمشاركة في توجيه أعمال الشغب، في اتهام غير مسبوق يعكس حجم التوتر بين طهران والعواصم الأوروبية، بعد موجة استدعاء السفراء، وفرض عقوبات جديدة، وتعليق قنوات دبلوماسية.
ولم يكتفِ رضائي بذلك، بل تحدث عن “وثائق” بحوزة الأجهزة الإيرانية تثبت قيام دول غربية بتحويل أموال أجنبية لتنظيم مجموعات مسلحة داخل البلاد، في سردية تهدف إلى إعادة تعريف الاحتجاجات كـ«ملف أمني استخباراتي»، لا كحراك شعبي نابع من أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة.
أما السلطة القضائية، فذهبت أبعد في توصيف المشهد، إذ قال المتحدث باسمها، أصغر جهانغير، إن ما جرى في إيران لا يمكن تصنيفه كاضطرابات أو احتجاجات، بل هو “إرهاب منظم” تديره عواصم غربية. وأكد أن التحقيقات كشفت عن قادة خلايا وروابط خارجية، متعهداً بـ”التمييز” بين من “خُدعوا” وبين من وصفهم بـ”عملاء الاستخبارات الأجنبية”.
في المحصلة، يبدو أن طهران، وهي تعترف بحجم غير مسبوق من الخسائر البشرية، تحاول في الوقت ذاته إعادة هندسة المشهد سياسياً وإعلامياً: اعتراف محسوب بالأرقام، مقابل تحميل كامل للمسؤولية للخارج، في مسعى لاحتواء الغضب الداخلي، وقطع الطريق على أي شرعنة دولية لتصعيد الضغوط أو التدخل.