فهرس المحتوى [إظهار]
بقلم مهى يحيَ
أصبح لبنان جبهةً في الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. ففي الأول من آذار، تعهّد نعيم قاسم، زعيم «حزب الله» الميليشيا اللبنانية المدعومة والمسلّحة من طهران، بالرد على اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم السابق. وسرعان ما دخل الحزب المواجهة، مطلقاً صواريخ وطائرات مسيّرة عبر الحدود نحو إسرائيل. وردّ الجيش الإسرائيلي بسلسلة غارات جوية واسعة على أنحاء البلاد.
من خلال انخراطه في القتال، ربط «حزب الله» مصير لبنان بالحرب الأوسع بشكل لا فكاك منه. لكن الواضح أيضاً أن إسرائيل تستخدم هذه الحرب، واستفزازات الحزب، لتبرير هجوم أكبر بكثير، وقد يكون مدمّراً—على لبنان نفسه. وعلى مدى الشهر الماضي [آذار]، تبادل «حزب الله» والجيش الإسرائيلي إطلاق النار بشكل شبه يومي. وأطلق الحزب ما بين ألف و1800 صاروخ نحو إسرائيل، إضافة إلى مسيّرات؛ في المقابل، نفذت إسرائيل مئات الغارات المدمّرة في كافة أنحاء لبنان لم تقتصر على الجنوب فحسب، بل شملت أيضاً بيروت وسهل البقاع، المنطقة الزراعية الأكثر خصوبة في البلاد. وفي 16 آذار، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إطلاق «عملية برية محددة» في جنوب لبنان، من شأنها منع مئات الآلاف من المدنيين الشيعة النازحين من العودة إلى منازلهم-وقارنها مباشرة بالحملة الإسرائيلية الواسعة في غزة.
اندلعت هذه الحرب في وقت كان لبنان يواجه سلسلة متراكمة من الأزمات السياسية والإنسانية والاقتصادية. وكان المجتمع اللبناني منقسماً أصلاً بعمق حول دور «حزب الله» ورعاته في طهران. وبعد أن دمّرت إسرائيل بنى تحتية حيوية وشرّدت أكثر من مليون شخص، باتت تهدّد اليوم باحتلال جنوب لبنان؛ بل إن بعض المسؤولين يدعون إلى نقل الحدود بين البلدين نحو عشرة أميال [حوالى ١٦ كيلومترا] داخل الأراضي اللبنانية. هذه الصدمات واسعة النطاق تعمّق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وقد تقوّض لبنان، وتفضي إلى الفوضى وربما انهيار الدولة. وهو سيناريو يجب منعه، لأنه سيكون كارثياً ليس على لبنان فحسب، بل على المنطقة أيضاً.
إصلاح تحت النار
كان لبنان قد أُنهك أصلاً بالحروب. ففي اليوم التالي لهجوم «حماس» في 7 تشرين الاول 2023، فتح «حزب الله» جبهة خاصة به مع إسرائيل. وبعد أقل من عام، شنّت إسرائيل هجمات واسعة على قيادة الحزب، شملت اغتيال أمينه العام حسن نصرالله، ثم اجتاحت لبنان. ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بعد شهرين، أبقت إسرائيل على احتلال خمس نقاط استراتيجية، وواصلت استهداف عناصر الحزب وبناه التحتية. كما منح ملحق جانبي أميركي، إسرائيل هامشاً لمواصلة هذه العمليات.
كل ذلك جرى في بلد يكافح للخروج من انهيار مالي واقتصادي غير مسبوق بدأ عام 2019، عندما أدّت أزمة مصرفية إلى تراجع قيمة العملة بنسبة 90% والتخلّف عن سداد الدين السيادي. وتبع ذلك، بعد عام، انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، وتسبب بخسائر تجاوزت 8 مليارات دولار، وأثار تساؤلات حادة حول الفساد وسوء الإدارة. ومنذ ذلك الحين، تعرقلت الإصلاحات بفعل المصالح المتجذّرة والشلل السياسي.
في شباط 2025، تولّت حكومة جديدة السلطة، ما أثار آمالاً حذرة بإمكانية فتح مسار إصلاحي. وقد أعطت الإدارة الجديدة، بقيادة الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، أولوية للكفاءة التكنوقراطية على المحاصصة السياسية. وتعهدت بإصلاحات مالية وقضائية، وإطلاق برنامج لإعادة الإعمار لمعالجة خسائر قُدّرت بـ11 مليار دولار نتيجة حرب 2023–2024. كما وعدت بتطبيق القرار 1701 الصادر عام 2006، والذي ينصّ على نزع سلاح «حزب الله»، وهو بند لم يُنفّذ حتى اليوم.
لكن تنفيذ هذه الإصلاحات كان صعباً حتى في الظروف العادية، فكيف في ظل حرب. لبنان يواجه اليوم أزمة إنسانية متفاقمة. ففي أوائل آذار، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لأكثر من 100 بلدة وقرية في الجنوب، تشمل نحو 10% من الأراضي اللبنانية. ومع توسيع هذه الأوامر، امتدت إلى مناطق إضافية وصولاً إلى نهر الزهراني، فضلاً عن البقاع وضواحي بيروت الجنوبية. ومن أصل 5.6 مليون نسمة، نزح أكثر من مليون شخص، غالبيتهم من الشيعة.
كما أن الدمار الواسع، بما في ذلك تفجير قرى بأكملها، يجعل عودة الكثيرين مستحيلة. وبدأت إسرائيل تلوّح بغزو أوسع قد يؤدي إلى احتلال طويل أو حتى ضم الجنوب. ومع تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي والإقليمي، قد يتراجع استعداد المجتمع الدولي ودول الخليج لتمويل إعادة إعمار لبنان.
حزب الله يتحدّى
رغم الخسائر، لا يظهر «حزب الله» أي نية للتراجع. فهو لا يعتزم الاستسلام أو العودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024 الذي سمح لإسرائيل بمواصلة استهداف عناصره. وقد قُتل نحو 350 مقاتلاً من الحزب و127 مدنياً منذ ذلك الاتفاق. وخلال هذه الفترة، دمّرت إسرائيل أكثر من 25 بلدة على الحدود، فيما مُنع سكان 62 بلدة أخرى من العودة.
ورغم التداعيات الكارثية، أعاد الحزب تأكيد رفضه نزع السلاح، مقدّماً الحرب كمعركة وجودية. وتُسهم العمليات الإسرائيلية في تعزيز هذا الخطاب. كما يرى الحزب في هذه المرحلة فرصة لاستعادة نفوذه الداخلي. وتواصل إيران دعمه مالياً وعسكرياً.
في المقابل، تسعى الدولة اللبنانية إلى إنهاء الحرب. وفي 2 آذار، اتخذت الحكومة قراراً تاريخياً بحظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله»، وطرد عناصر «الحرس الثوري» الإيراني، وإلغاء اتفاقات الإعفاء من التأشيرات مع إيران [٥ آذار] كما عززت جهودها لضبط السلاح ووقف تهريبه.
العامل الإسرائيلي الحاسم
تبقى أهداف إسرائيل في لبنان غير واضحة بالكامل. فهي تقول إنها تريد القضاء على «حزب الله» وإنشاء «منطقة عازلة»، لكن مسار العمليات يوحي أيضاً برغبة في إحداث فوضى داخلية وتسهيل احتلال الأراضي اللبنانية.
وتشير الاستعدادات العسكرية، بما فيها استدعاء مئات آلاف الجنود، إلى احتمال غزو واسع. كما تدعم تصريحات بعض الوزراء فكرة ضم الجنوب حتى نهر الليطاني. وقد قصفت إسرائيل جسوراً رئيسية لقطع المنطقة عن باقي البلاد.
لكن هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تعزّز خطاب «حزب الله» حول ضرورة «المقاومة». كما أن النزوح الواسع قد يتحول إلى تهجير دائم، على غرار ما حدث للفلسطينيين.
لبنان في خطر
قد يرى بعض الإسرائيليين أن تفكك لبنان يخدم مصالحهم، لكن انهيار الدولة سيؤدي إلى فوضى إقليمية لا يمكن السيطرة عليها. كما أن الضغط الدولي، خاصة الأميركي، لم يساعد الدولة اللبنانية، بل حدّ من قدرتها على التعافي.
إن دعم الحكومة اللبنانية اليوم ضرورة ملحّة. فمسألة نزع سلاح «حزب الله» ليست عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً. ولا يمكن تحقيقها إلا عبر دولة قوية وموحّدة.
على الولايات المتحدة وشركائها العمل على كبح التصعيد، وفصل لبنان عن الحرب على إيران، ودعم مسار الاستقرار. فاستمرار الحرب قد يؤدي إلى انهيار الدولة أو حتى حرب أهلية.
لطالما كان لبنان ساحة لصراعات إقليمية، وهو اليوم مهدد بأن يصبح ضحية حرب جديدة. لكن لا تزال هناك فرصة لدعم قيادته الحالية في إعادة بناء الدولة، وهي فرصة قد تضيع سريعاً إذا استمر التصعيد.
*مهى يحيَ هي مديرة مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط.
(الترجمة عن فورين أفيرز - ٣ نيسان ٢٠٢٦)