في وقت أعلنت فيه “حركة أمل” رفضها القاطع لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل، معتبرة أن هذا المسار “يفتح باب التطبيع”، يبرز في المقابل موقف أكثر براغماتية لرئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التباين: هل هو اختلاف فعلي أم توزيع أدوار؟
فبري، رغم رفضه أيضاً للتفاوض المباشر، يتعامل مع المسار القائم بواقعية واضحة، إذ اعتبر أن وقف إطلاق النار “خطوة إلى الأمام”، مشدداً على ضرورة تثبيته أولاً قبل الانتقال إلى أي مرحلة لاحقة. هذه المقاربة تقوم على مبدأ التدرّج: تثبيت الهدنة، انتظار نضوج الظروف، ثم البحث في الخطوات التالية، من دون نسف المسار بالكامل.
في المقابل، جاء خطاب “أمل” عبر رئيس هيئتها التنفيذية مصطفى الفوعاني أكثر تشدداً، إذ ربط أي تفاوض مباشر بالتطبيع، ورفع سقف الرفض إلى حدّ وضعه في إطار تهديدي، مع التأكيد على أولوية “المقاومة” كخيار دائم.
هذا التباين داخل البيت نفسه لا يتوقف عند هذا الحد. فوزير المالية ياسين جابر، المحسوب على بري، قدّم نموذجاً إضافياً على هذا الاختلاف في المقاربة، حين اعتبر أن المفاوضات التي انطلقت في واشنطن تشكّل “مفتاحاً لوقف إطلاق النار”، وأكد أن لبنان يعتمد على الضمانات الأميركية لتثبيت الاستقرار.
وهنا تتكرّس صورة مزدوجة: قيادة سياسية تتعامل مع الواقع القائم وتسعى لإدارته بخطوات تدريجية، مقابل خطاب حزبي تصعيدي يرفض المسار من أساسه.
هذا الواقع يفتح الباب أمام تفسيرين: إما وجود تباين حقيقي في الرؤية داخل “أمل”، أو اعتماد سياسة توزيع أدوار بين خطاب موجّه للداخل يرفع السقف، وآخر أكثر واقعية يُدار على مستوى القرار السياسي.
في المحصلة، وبينما يتقدم المسار التفاوضي بدعم دولي واضح، يبدو أن المقاربة الأقرب إلى التأثير ليست تلك التي ترفع الشعارات، بل تلك التي تتعامل مع الوقائع وتسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي مسار لاحق.