في تصعيد لافت، وجّه المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، حملت لهجة تحذيرية حادة من مسار التفاوض مع إسرائيل، معتبراً أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تضع لبنان أمام “أسوأ كارثة”، ومؤكداً أن خيار التعامل مع إسرائيل “ليس جرأة بل خطأ يندم عليه أصحابه”.
الرسالة لم تقتصر على موقف سياسي، بل تجاوزته إلى لغة أقرب إلى التهديد، عبر الإيحاء بأن هذا المسار “لن يُترك ليتنفس”، في خطاب يخلط بين الدين والسياسة ويضع خيارات الدولة في إطار مواجهة وجودية، لا نقاش سياسي.
هذا التصعيد الديني تلاقى سريعاً مع خطاب سياسي مماثل، عبّر عنه النائب حسن فضل الله، الذي دعا صراحة إلى خروج رئيس الجمهورية من مسار التفاوض المباشر، مؤكداً أن حزبه “سيواجه” أي محاولة لفرض تسوية، وأن سلاح “المقاومة” غير قابل للنقاش أو النزع.
وبذلك، يظهر أن الموقف ليس معزولاً، بل جزء من خطاب موحّد داخل حزب الله، يقوم على رفض المسار الدبلوماسي بالكامل، مقابل التمسك بخيار واحد: الحرب المدمرة بلا أفق.
في المقابل، برز موقف مغاير تماماً، حيث شدّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بعد لقائه الرئيس عون الخميس على أن المفاوضات “لا تتضمن أي تفريط بحقوق لبنان”، مؤكداً أن رئيس الجمهورية “يمثل جميع اللبنانيين” وأن ما يقوم به يندرج في إطار حماية السيادة لا التفريط بها.
الراعي ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر أن لبنان “يكفيه حروب ودماراً”، داعياً إلى التعاطي مع المسار التفاوضي بهدوء ووعي، وموجهاً رسالة واضحة إلى المشككين بأن ما يطرحه الرئيس لا يحمل أي تنازل بل يسعى إلى استعادة الحقوق.
هذا التناقض بين خطابين دينيين يكشف بوضوح طبيعة الصراع القائم: بين من يوظّف الدين لتبرير التهديد ورفض الدولة، ومن يستخدمه للدفاع عن منطق الدولة والاستقرار.
غير أن هذا الخطاب، رغم حدّته، يطرح إشكالية أساسية: فهو يكتفي بالتحذير والتهديد، من دون تقديم أي بديل فعلي لحماية لبنان من حرب جديدة. فبين الحديث عن “الكارثة” و”المواجهة”، يغيب أي تصور لكيفية تجنيب اللبنانيين كلفة الدمار التي عاشوها مؤخراً.
الأخطر، أن إدخال البعد الديني في هذا السجال يرفع مستوى التصعيد الداخلي، ويحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام أعمق، في وقت تحاول فيه الدولة تثبيت مسار تفاوضي مدعوم دولياً لوقف الحرب.
وفي المحصلة، يعكس هذا التلاقي بين خطاب قبلان وفضل الله نمطاً متكرراً: رفض خيارات الدولة بلغة عالية السقف، من دون القدرة على تقديم بدائل واقعية، في مقابل مسار رسمي يسعى إلى إخراج لبنان من دائرة الحرب المفتوحة إلى أفق سياسي أقل كلفة على اللبنانيين.