في موازاة التصعيد العسكري في المنطقة، يبرز سؤال أساسي حول دور موسكو وبكين في الحرب الدائرة على إيران: هل يكتفي هذا المحور بغطاء دبلوماسي لطهران، أم أنه مستعد للذهاب أبعد من ذلك؟ وحتى الآن، توحي المعطيات بأن روسيا والصين تقفان في موقع الدعم السياسي، لكن من دون ترجمة هذا الدعم إلى انخراط عسكري مباشر، مع تركيز متزايد على منع انهيار الهدنة والمفاوضات.
فروسيا، التي استخدمت مع الصين حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع قرار بشأن مضيق هرمز في 7 نيسان، برّرت موقفها بأن النص تجاهل الضربات الأميركية والإسرائيلية وقدم أفعال إيران كأنها المصدر الوحيد للتوتر. والصين تبنّت المنطق نفسه تقريباً، معتبرة أن المشروع لم يعكس “الأسباب الجذرية” ولا “الصورة الكاملة” للنزاع.
وبرزت منذ بداية هذا الأسبوع مواقف رسمية روسية تدعو الى تثبيت وقف اطلاق النار، وبالتالي لا تؤيد جنوح ايران واعلانها الاستعداد العسكري لاستئناف القتال.
منع الانفجار بدل خوض المواجه
اللافت اليوم أن موسكو وبكين لا تتقدمان كطرفي مواجهة بقدر ما تحاولان التموضع كقوتين تمنعان انهيار المسار التفاوضي.
وصدر يوم الاثنين الماضي موقفان لافتان من موسكو:
- الاول عبر عنه المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الذي قال إن روسيا “ليست وسيطاً” بشأن إيران، لكنها “مستعدة للمساعدة إذا لزم الأمر”، معرباً عن أمله في استمرار التفاوض لتفادي تداعيات سلبية على المنطقة والاقتصاد العالمي.
- الثاني جاء من وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف الذي أكد لنظيره الايراني ضرورة الحفاظ على الهدنة مع الولايات المتحدة.
وفي اليوم نفسه، حذّرت بكين من أن المحادثات الأميركية-الإيرانية تمرّ “بمرحلة حرجة”، بعد اعتراض واشنطن سفينة إيرانية، ودعت جميع الأطراف إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار والمفاوضات وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب سريعاً.
وبرز موقف للخارجية الصينية اليوم في الاتجاه نفسه، يعتبر أن الوضع الحالي في منطقة الشرق الاوسط وصل الى مرحلة حساسية و"الاولوية هي للحفاظ على وقف إطلاق النار".
روسيا تريد أن تبقى حاضرة في الملف الإيراني كقوة مساعدة ومؤثرة، لا كطرف يقود المواجهة. وهي سبق أن عرضت، وفق رويترز، استضافة اليورانيوم الإيراني المخصب على أراضيها كجزء من تسوية محتملة، لكن واشنطن رفضت هذا الاقتراح. فتحاول موسكو توظيف علاقتها بطهران سياسياً وتفاوضياً، من دون أن تتحمل كلفة المواجهة عنها.
بكين: الاقتصاد أولاً
أما الصين، فهي رفعت لهجتها ضد الحصار البحري الأميركي لمضيق هرمز، ووصفت الخطوة الأميركية قبل أيام بأنها تتعارض مع مصالح المجتمع الدولي ودعت إلى ضبط النفس. كما عبّرت مراراً وتكراراً عن قلقها إزاء الوضع في هرمز، معتبرته “معقد وحساس”. لكن في المقابل، واصلت نفي التقارير الغربية التي تحدثت عن تزويد إيران بأسلحة أو دعم عسكري مباشر، بما في ذلك تقارير عن أقمار صناعية أو شحنات دفاع جوي.
وهذا النفي مهم لأنه يكشف حدود الدور الصيني: بكين لا تريد أن تُستدرج إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن بسببها. هذا الحساب مرتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية. فبحسب رويترز، الاقتصاد الصيني بدأ 2026 بنمو قوي بلغ 5% على أساس سنوي في الربع الأول، لكن الحرب رفعت أسعار الطاقة وهددت الطلب العالمي، وهو ما يضغط على نموذج النمو الصيني القائم على التصدير والانفتاح التجاري. كما حذرت رويترز من أن استمرار النزاع قد يحوّل مساهمة الصادرات الصافية إلى عنصر سلبي في النمو الصيني في الربع الثاني.
بمعنى آخر، الصين تستطيع التعايش مع الحرب على المدى القصير، لكنها لا تستطيع القبول بتحولها إلى نزاع طويل يضرب الممرات البحرية، ويرفع أسعار النفط، ويضعف الطلب العالمي على صادراتها. لذلك تبدو بكين اليوم أقرب إلى ممارسة ضغط هادئ على الجميع، بما في ذلك إيران، لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لا حباً بواشنطن بل دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية.
وفي الخلاصة، روسيا والصين وفرتا لإيران غطاءً دبلوماسياً في مجلس الأمن، لكن هذا المحور لا يبدو متماسكاً على قاعدة خوض معركة واحدة حتى النهاية. سقف الدعم يبقى مضبوطاً بحسابات أوسع: مصالح الطاقة لدى الصين، وحسابات النفوذ والتفاوض لدى روسيا.