تتزايد مصائب حرب إيران التي أطلقتها ميلشيا حزب الله المحظورة في الثاني من شهر آذار الماضي، على لبنان واللبنانيين.
ولا يقتصر ذلك على الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل، وقضت على آلاف البيوت والمؤسسات الاقتصادية، وأدت الى آلاف الضحايا، بل تعدى ذلك الى الشريان البري الرئيسي الذي يربط لبنان بالعالم، وتحديدا سوريا والعمق العربي.
و يُشكّل معبر "المصنع - جديدة يابوس" الرئة البرية التي يتنفس منها لبنان نحو العمق العربي، وتُجمع المؤشرات الاقتصادية على أن أي مساس بهذا المرفق العام يتجاوز البعد الأمني ليصيب صلب الاستقرار المعيشي.
أدت الاتصالات عالية المستوى التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع مع أطراف دولية وإقليمية إلى تجميد مفاعيل التهديد الإسرائيلي. وكان المتحدث باسم جيش الاحتلال قد وجّه إنذاراً بإخلاء المنطقة تمهيداً لقصفها، بذريعة استخدام حزب الله للمعبر لأغراض عسكرية ونقل وسائل قتالية، وهو ما وضع المعبر هدفا للقصف.
على الصعيد التجاري، تمر عبر هذا المعبر ما نسبته 70% إلى 80% من إجمالي الصادرات البرية اللبنانية، وهي حركة حيوية ترفد الخزينة بتدفقات نقدية تُقدر بنحو 800 مليون إلى مليار دولار سنوياً. إن تهديد هذا الطريق يعني عملياً عزل الإنتاج الوطني عن أسواقه التقليدية في الأردن والعراق ودول الخليج، مما يضع الصادرات اللبنانية في حالة شلل تام.
وفي سياق متصل، يُعتبر القطاع الزراعي المتضرر الأكبر والمباشر، حيث يعتمد المزارعون على "المصنع" لتصريف 65% من إنتاجهم المعد للتصدير. وفي لغة الأرقام، فإن محاصيل تبلغ قيمتها نحو 200 مليون دولار سنوياً مهددة بالتلف في المخازن أو الكساد في السوق المحلي، خاصة وأن بدائل النقل البحري ترفع كلفة الشحن بنسبة تتراوح بين 40% و60%، وهو ما يفقد المنتج اللبناني قدرته التنافسية ويؤدي إلى انهيار المداخيل لآلاف العائلات التي تعيش من هذا القطاع.
أما على مستوى حركة الشحن والترانزيت، فإن المعبر يستقبل يومياً ما بين 250 إلى 300 شاحنة في الاتجاهين، ويُعد المحرك الأساسي لأسطول نقل يضم أكثر من 2,500 شاحنة مبردة. إن توقف هذه الحركة لا يعني فقط خسارة رسوم العبور والجمارك، بل يمتد أثره إلى الأمن الغذائي المحلي، إذ يتوقع الخبراء ارتفاعاً فورياً في أسعار السلع الأساسية المستوردة برياً بنسبة لا تقل عن 15% إلى 20% نتيجة نقص المعروض وزيادة كلفة التأمين والشحن البديل، ما يفاقم الأزمة المعيشية الخانقة أصلاً.
بالانتقال إلى البعد البشري والخدمي، يسجل معبر المصنع عبور ما بين 5,000 و10,000 شخص يومياً في الحالات الطبيعية، وهو مصدر الرزق الوحيد لأكثر من 1,500 سيارة أجرة (سرفيس دولي) تعمل على خطوط بيروت-دمشق-عمان. هذا القطاع يعيل بشكل مباشر ما يقارب 5,000 عائلة ستجد نفسها بلا دخل في حال تعطل المرفق. كما أن البنية التحتية للمعبر والطريق الدولي، التي كلف تأهيلها مئات الملايين من الدولارات، تمثل رصيداً وطنياً يصعب تعويضه، حيث تُقدر كلفة إعادة إعمار جسر واحد أو مقطع حيوي بـ 5 ملايين دولار كحد أدنى، وهو عبء لا تستطيع الخزينة العامة تحمله في الوقت الراهن.
تُثبت هذه المعطيات الرقمية أن محاولات تحييد معبر المصنع ليست مجرد مطلب لوجستي، بل هي ضرورة لمنع انهيار ما تبقى من القوة الشرائية، فالمعبر يرتبط بشكل غير مباشر بـ 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وتهديده يعني تحويل لبنان إلى "جزيرة معزولة" تفتقد لأبسط مقومات التواصل التجاري والاجتماعي مع محيطها.