القائمة
01:23 31 آذار 2026

مانشيت| سلام يستعد لجولة خارجية.. كيف ترسم الحرب الحالية الوظيفة الجيوسياسية لجنوب لبنان.

لبنان

تتسارع التطورات الميدانية في جنوب لبنان بوتيرة ترسم ملامح واقع استراتيجي مختلف، يتجاوز منطق العمليات العسكرية المحدودة نحو محاولة فرض خط أمني بديل بالقوة. 

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش دلالات تتعدّى البعد الإعلامي، إذ تعكس توجهاً واضحاً داخل اليمين الإسرائيلي لتحويل نهر الليطاني إلى حدٍّ أمني فعلي، بما يشبه إعادة إنتاج “الحزام الأمني” بصيغة أوسع وأكثر استدامة، مقروناً هذه المرة بوعد سكاني لمستوطني الشمال. 

وتتقاطع هذه الرؤية مع تقارير يديعوت أحرونوت التي تحدثت عن نجاح وحدات خاصة في التوغل داخل العمق اللبناني، واقتراب العمليات من ضفاف الليطاني، مع مؤشرات على احتمال توسيع نطاق النار باتجاه الزهراني، بما يشي بمحاولة رسم وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقاً.

في المقابل، يتحرك الداخل اللبناني تحت ضغط هذه الوقائع، حيث يقود رئيس الحكومة نواف سلام سلسلة اتصالات مكثفة مع عواصم عربية ودولية، تشمل المملكة العربية السعودية ومصر وقطر، في محاولة لاحتواء تداعيات الحرب وتأمين شبكة دعم إنساني عاجل للنازحين، بالتوازي مع التحضير لجولة خارجية مرتقبة تشمل الرياض والقاهرة والدوحة وباريس ولندن. هذا الحراك يعكس إدراكاً رسمياً بأن إدارة الأزمة لم تعد داخلية فقط، بل تتطلب مظلة سياسية ومالية خارجية تواكب الانزلاق الميداني.

على خط موازٍ، يتقدم التنسيق الأمني اللبناني–السوري بوتيرة لافتة، مع تبادل معلومات حول الأنفاق الحدودية التي أعلنت دمشق كشفها، والتي يُشتبه باستخدامها من قبل شبكات مرتبطة بـحزب الله، في حين تعمدت سوريا إلى تعزيز انتشار قوات نخبة على طول الحدود، خصوصاً مقابل منطقة البقاع الشمالي، في خطوة تحمل أبعاداً أمنية مزدوجة: ضبط الحدود من جهة، ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل السوري من جهة أخرى.

إقليمياً، جاءت القمة الثلاثية في جدة التي جمعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والعاهل الأردني عبد الله الثاني، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، في توقيت بالغ الحساسية، لتعكس مستوى القلق الخليجي–الأردني من اتساع رقعة التصعيد. وقد ركزت القمة على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، لكنها حملت في خلفيتها إدراكاً بأن الساحة اللبنانية باتت أحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي، ما يفسر حضور الملف اللبناني ضمنياً في النقاشات، باعتباره نقطة تقاطع بين الحرب الجارية ومخاطر تمددها.

والأكيد أنه ما يتشكل حالياً ليس مجرد جولة تصعيد عسكري، بل محاولة لإعادة تعريف الحدود والوظيفة الجيوسياسية لجنوب لبنان تحت ضغط النار. وبين اندفاعة إسرائيل لفرض وقائع ميدانية جديدة، وسعي الدولة اللبنانية لاحتواء الانهيار عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية، تبدو المرحلة مفتوحة على مسارين متوازيين: تثبيت أمر واقع ميداني يصعب تغييره، أو إنتاج تسوية سياسية تُبنى هذه المرة على موازين قوى مختلفة جذرياً عمّا سبق. 

وفي الحالتين، لم يعد لبنان ساحة هامشية في الصراع، بل بات في قلب معادلة إعادة تشكيل الإقليم.