في تطور يعكس تعقيدات المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران في المنطقة، أثار إعلان طهران مقتل أربعة من ممثليها في لبنان جدلاً واسعاً بعد تضارب الرواية الرسمية حول هوياتهم. فبينما تحدثت وزارة الخارجية الإيرانية عن استهداف "دبلوماسيين" في غارة إسرائيلية استهدفت فندقاً في منطقة الروشة في بيروت، نشرت وسائل إعلام إيرانية صوراً للقتلى وهم يرتدون زي الحرس الثوري الإيراني العسكري، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة مهامهم الفعلية في لبنان.
وكانت مسيّرة إسرائيلية قد استهدفت في 8 آذار 2026 غرفة داخل فندق "رامادا" في منطقة الروشة ببيروت دون إنذار مسبق، في تصعيد أمني طال قلب العاصمة اللبنانية. وقد أدى الهجوم إلى مقتل عدد من المسؤولين الإيرانيين الذين كانوا يقيمون في الفندق، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الوجود الإيراني في لبنان.
وزارة الخارجية الإيرانية أدانت الهجوم واعتبرته "انتهاكاً للقانون الدولي" ولحصانة البعثات الدبلوماسية، مؤكدة أن الضربة استهدفت ممثلين رسميين لطهران في لبنان. لكن في المقابل، نشرت وسائل إعلام إيرانية أسماء القتلى وصورهم بصفات عسكرية، من بينهم محمد رضا موسوي وعلي رضا بي آزار، مشيرة إلى ارتباطهم بـ فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري.
ويرى مراقبون أن هذا التناقض يعكس محاولة إيرانية للاستفادة من مظلة الحصانة الدبلوماسية في مواجهة الضربات الإسرائيلية، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن بعض هؤلاء المسؤولين كانوا يؤدون أدواراً أمنية أو تنسيقية مرتبطة بالنشاط الإيراني في لبنان.
بحسب تقديرات سياسية، فإن القادة الذين قُتلوا كانوا يشكلون حلقة اتصال متقدمة بين طهران وحلفائها في لبنان، وعلى رأسهم حزب الله. ويعتقد أن وجودهم في بيروت كان مرتبطاً بمهام تتعلق بتنسيق الاتصالات اللوجستية والعسكرية في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد.
وتشير هذه التقديرات إلى أن نشاط هؤلاء المسؤولين اكتسب أهمية أكبر في الفترة الأخيرة، مع تصاعد المواجهة الإقليمية واتساع نطاق العمليات العسكرية غير المباشرة بين إسرائيل ومحور إيران.
في المقابل، يأتي هذا التطور في سياق تصاعد التوتر بين بيروت وطهران. إذ اتخذت الحكومة اللبنانية في 5 آذار 2026 قراراً بملاحقة قادة الحرس الثوري الإيراني الموجودين في لبنان، على خلفية اتهامات لهم بالمشاركة المباشرة في إدارة العمليات العسكرية داخل البلاد.
كما عززت هذه التطورات قرار بيروت السابق بطرد السفير الإيراني، في خطوة اعتبرتها أوساط سياسية محاولة لاستعادة السيادة اللبنانية ومنع تحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي. وكانت قوى سياسية لبنانية مناوئة لـ حزب الله قد اتهمت قادة في الحرس الثوري بقيادة العمل العسكري على الأرض وتنسيق العمليات خلال الحرب الجارية.
يذكر أن العلاقات بين لبنان وإيران شهدت توترات ملحوظة خلال الأشهر الماضية، على خلفية الجدل حول دور طهران ونفوذها داخل الساحة اللبنانية. وقد تصاعدت هذه التوترات مع توسع المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" في الجنوب، وما تبعها من تبادل الضربات عبر الحدود.
ويرى محللون أن الساحة اللبنانية باتت واحدة من أبرز مسارح الصراع غير المباشر بين إسرائيل وإيران، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والاستخباراتية والسياسية في مشهد شديد التعقيد.
استهداف مسؤولين إيرانيين داخل فندق في قلب بيروت يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر. فالمحللون يشيرون إلى أن مثل هذه الضربات تعكس قدرة استخباراتية عالية في تعقب تحركات الشخصيات المستهدفة، كما أنها توصل رسالة مفادها أن الوجود الإيراني في المنطقة بات عرضة لملاحقة متزايدة.
كما يُنظر إلى هذه العمليات على أنها جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص شبكات النفوذ الإيرانية في المنطقة، عبر استهداف القيادات الميدانية أو قنوات الاتصال التي تربط طهران بحلفائها.
ومنذ 28 شباط 2026، تشن إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة على إيران، أدت إلى مقتل المئات بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، فيما ترد طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل.